فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 400

وكان الشيخ سريع البديهة سريع الحفظ، قال بعض من رآه: حضرت مجلس الشيخ - رضى الله عنه - وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر قد نظمها شعرًا في ثمانية أبيات فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وأنشأ يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثرًا، فلما فرغ تأمله من حضر من أصحابه وإذا هو نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها، تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا وقد أبرز فيها من العلوم ما لو شرح لبلغ مجلدين كبيرين، وهذا من جملة بواهره.

قال ابن عبد الهادي: بلغني أن بعض مشائخ حلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه كثير الحفظ وقد جئت قاصدًا لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كتَّابه وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة يمر ذاهبًا إلى الكتّاب. فلما مر قيل: ها هو الذي معه اللوح الكبير، فناداه الشيخ وأخذ منه اللوح وكتب من متون الحديث أحد عشرة أو ثلاثة عشر حديثًا. وقال له: اقرأ هذا! فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته إياه ثم دفعه إليه، وقال: اسمعه عليّ! فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما يكون. ثم كتب عدة أسانيد انتخبها فنظر فيه كما فعل أول مرة فحفظها، فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم فإن هذا لم يُرَ مثلهُ؛ فكان كما قال.

وأما سرعته في الكتابة فقد ذكروا عنه الشيء العجيب وأنه كان يكتب من حفظه من غير نقل، وذكروا أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم. وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسته، ومن عجائب حفظه أنه لما سجن صنف كتبًا كثيرة وذكر فيها الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكرت فيها تلك النقول والأقوال ومواضعها منها، كل ذلك من حفظه! فسبحان الذي يمنّ على من يشاء بفضله وتوفيقه.

قد ظهر شيخ الإسلام في عصر قد اشتدت فيه غربة الإسلام، وتفرقت كلمة المسلمين، وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع، وخيّم الجمود الفكري والتقليد الأعمى فأثّر في الجو العلمي؛ ظهرت فرق الشيعة والصوفية المنحرفة والقبورية ونفاة الصفات والقدرية، وطغى علم الكلام والفلسفة حتى حلّ محل الكتاب والسنة لدى الأكثر من المتعلمين في الاستدلال، هذا كله في داخل المجتمع الإسلامي في ذلك العصر، ومن خارج المجتمع تكالب أعداء الإسلام فغزوا المسلمين في عقر دارهم فجاءت جيوش التتار تداهم ديار المسلمين وتفتك بهم.

في هذا الجو المعتم عاش شيخ الإسلام ابن تيمية ضياء لامعًا بعلمه الأصيل الغزير يدرِّس الطلاب ويؤلف الكتب والرسائل ويفتي في النوازل والمسائل، ويناظر المنحرفين، ويرد على المخرفين، وينازل الفرق والطوائف، فيرد على الشيعة والقدرية، ويرد على علماء الكلام والفلاسفة، ويرد على المعطلة والمؤولة في الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ويرد على الصوفية المنحرفة وعلى القبوريين والمبتدعة.

ويحرك أهل الجمود الفقهي والخمول الفكري برد الفقه إلى أصوله الصحيحة ومنابعه الصافية وتصحيح الصحيح وتزييف الزائف حتى أعاد للشريعة نقاءها وإلى العلوم الشرعية صفاءها؛ يظهر ذلك في مؤلفاته التي خلفها ثروة علمية هائلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت