والمنافقين؛ كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر وأهل البدع أذل وأقل. فإن المهدي قتل من المنافقين والزنادقة من لا يحصي عدده إلا الله. والرشيد كان كثير الغزو والحج، وذلك أنه لما انتشرت الدولة العباسية وكان في أنصارها من أهل المشرق والأعاجم طوائف من الذين نعتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (الفتنة ههنا) (28) ؛ ظهر حينئذ كثير من البدع، وعُرّبت أيضًا إذ ذاك طائفة من كتب الأعاجم من المجوس والفرس والصابئين الروم والمشركين الهنود. وفي دولة أبي العباس المأمون ظهر الخرمية ونحوهم من المنافقين وعُرِّب كثير من كتب الأوائل المجلوبة من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة.
فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب، وكان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية والرافضة وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة، وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلًا وعدلًا وإنما هو جهل وظلم؛ إذ التسوية بين المؤمن والمنافق والمسلم والكافر أعظم الظلم. وطلب الهدى عند أهل الضلال أعظم الجهل فتولد من ذلك فتنة الجهمية، حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب لكلام الله ورؤيته، وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفه.
يواصل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حديثه عن مذهب أهل السنة عبر التاريخ، وما مر به من محن وابتلاء تارة، وانتصار وعز تارات، فيقول (29) : وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وأُلزموا الصغار فعزت السنة والجماعة وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم. وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت السنة بحسب ذلك. وفي دولة بني بويه ونحوهم كان الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، وقوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك وجرت حوادث كثيرة.
ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلام والسنة في مملكته أعز؛ فإنه غزا المشركين من أهل الهند ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة، وكذلك السلطان نور الدين محمود الذي كان بالشام عز أهلُ الإسلام والسنة في زمنه، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرها من الرافضة والجهمية ونحوهم. وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس ووزارة ابن هبيرة لهم، فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام، ولهذا كان له من العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره.
ثم تكلم الشيخ - رحمه الله - عن رجوع بعض أهل الضلال إلى مذهب أهل السنة فقال: وما يوجد من إقرار أئمة الكلام والفلسفة وشهادتهم على أنفسهم وعلى بني جنسهم بالضلال، ومن شهادة أئمة الكلام والفلسفة بعضهم على بعض، كذلك فأكثر من أن يحتمله هذا الموضع، وكذلك ما يوجد من رجوع أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم كثير. وأئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.