فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 400

وكذلك ما يوجد من شهادتهم لأهل الحديث بالسلامة والخلاص من أنواع الضلال، وهم لا يشهدون لأهل البدع إلا بالضلال، وجميع الطوائف المتقابلة من أهل الأهواء تشهد لهم بأنهم أصلح من الآخرين وأقرب إلى الحق.

ثم قارن الشيخ - رحمه الله - بيْن ما عند بعض أهل السنة من عيب وما عند أهل الكلام؛ ليتبين الفرق الواضح بين الفريقين فقال: وإذا قابلنا بين الطائفتين - أهل الحديث وأهل الكلام - فالذي يعيب بعض أهل الحديث وأهل الجماعة بحشو القول إنما يعيبهم بقلة المعرفة أو بقلة الفهم؛ أما الأول فبأن يحتجوا بأحاديث ضعيفة أو موضوعة أو بآثار لا تصلح للاحتجاج. وأما الثاني فبأن لا يفهموا معنى الأحاديث الصحيحة، بل قد يقولون القولين المتناقضين ولا يهتدون للخروج من ذلك. ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم؛ يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع ويذكرون من القرآن والحديث ما لا يفهمون معناه، لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل، لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر، وكل خير يكون في غيرهم فهو فيهم أعلى وأعظم، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم.

وبيان ذلك أن ما ذكر من فضول الكلام الذي لا يفيد مع اعتقاد أنه طريق إلى التصور والتصديق هو في أهل الكلام والمنطق أضعاف أضعاف أضعاف ما هو في أهل الحديث. فبإزاء احتجاج أولئك بالحديث الضعيف احتجاج هؤلاء بالحدود والأقيسة الكثيرة العقيمة التي لا تفيد معرفة، بل تفيد جهلًا وضلالًا. وبإزاء تكلم أولئك بأحاديث لا يفهمون معناها تكلف هؤلاء من القول بغير علم ما هو أعظم من ذلك وأكثر. وما أحسن قول الإمام أحمد: ضعيف الحديث خير من رأي فلان.

ثم لأهل الحديث من المزية أن ما يقولونه من الكلام الذي لا يفهمه بعضهم هو كلام من نفسه حق، وقد آمنوا بذلك، وأما المتكلمة فيتكلفون من القول ما لا يفهمونه ولا يعلمون أنه حق. وأهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في نقض أصل عظيم من أصول الشريعة، بل إما في تأييده وإما في فرع من الفروع، وأولئك يحتجون بالحدود والمقاييس الفاسدة في نقض الأصول الحقة الثابتة.

إذا عرف هذا فقد قال الله تعالى عن أتباع الأئمة من أهل الملل المخالفين للرسل: {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [غافر: 83] ، وقال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} إلى قوله: {وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 66 - 68] ، وإذا كانت سعادة الدنيا والآخرة هي في اتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك هم أعلمهم بآثار المرسلين، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، وهم أسعد الناس باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وأما غير أتباعه من أهل الكلام؛ فالكلام في أقيستهم التي هي حججهم وبراهينهم على معارفهم وعلومهم، وهذا يدخل فيه كل من خالف شيئًا من السنة والحديث من المتكلمين والفلاسفة. ومن المعلوم من حيث الجملة أن المتكلمين والفلاسفة من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل وتكذيبًا للحق من مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد - والله أعلم - يخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك. ويدلك على ذلك أمور: أحدها أنك تجدهم أعظم الناس شكًا واضطرابًا وأضعف الناس علمًا ويقينًا. وهذا أمر يجدونه في أنفسهم ويشهده الناس منهم. وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض والقدح والجدل، ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم ولا فيه منفعة. وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامي، وإنما العلم في جواب السؤال، ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ، إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت