فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 400

فالخوارج لما فارقوا جماعة المسلمين وكفروهم واستحلوا قتالهم جاءت السنة بما جاء فيهم كقوله - صلى الله عليه وسلم-: (يحقر أحدهم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) (15)

وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. فلما رأى قسمة النبي قال: يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل! فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم-: (لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل) ، فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم،. . .) (16) الحديث.

فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظن والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه.

ثم تكلم الشيخ - رحمه الله - عن تكفير أهل البدع وما دار فيه من خلاف وتفصيل إلى أن قال: وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين: أحدهما: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، وتكلم عن المنافقين.

ثم قال: والأصل الثاني: أن المقالة تكون كفرًا كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب؛ كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام؛ فهذا لا يحكم بكفره إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول.

ومعنى كلام الشيخ أن من جحد حكمًا مجمعًا عليه وقد بلغه ما أنزل على الرسول فيه إنه يحكم بكفره؛ لأنه قد قامت عليه الحجة وانقطعت معذرته.

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (17) - رحمه الله- قاعدة عظيمة في بيان الانحراف عن الوسط فقال: الانحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس، مثل تقابلهم في بعض الأفعال يتخذها بعضهم دينًا واجبًا أو مستحبًا أو مأمورًا به في الجملة، وبعضهم يعتقدها حرامًا مكروهًا أو محرمًا أو منهيًا عنه في الجملة، مثل ذلك: سماع الغناء فإن طائفة من المتصوفة والمتفقرة تتخذه دينًا، وإن لم تقل بألسنتها أو تعتقد بقلوبها أنه قربة؛ فإن دينهم حال لا اعتقاد. فحالهم وعملهم هو استحسانها في قلوبهم ومحبتهم لها ديانة وتقربًا إلى الله، وإن كان بعضهم قد يعتقد ذلك ويقوله بلسانه، وفيهم من يعتقد ويقول: ليس قربة لكن حالهم هو كونه قربة ونافعًا في الدين ومصلحًا للقلوب، ويغلو فيه من يغلو حتى يجعل التاركين له كلهم خارجين عن ولاية الله وثمراتها من المنازل العلية. وبإزائهم من ينكر جميع أنواع الغناء ويحرمه ولا يفصل بين غناء الصغير والنساء في الأفراح، وغناء غيرهن وغنائهن في غير الأفراح، ويغلو من يغلو من فاعليه حتى يجعلهم كلهم فساقًا أو كفارًا.

وهذان الطرفان من اتخاذ ما ليس بمشروع دينًا، أو تحريم ما لم يحرم؟ دين الجاهلية والنصارى الذي عابه الله عليهم كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت