ومعاداة لمن عاداها؛ الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بُعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه.
وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردونه إلى الله ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف؛ فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان منها مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه. ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس؛ فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم.
وجماع الشر الجهل والظلم، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] إلى آخر السورة، وذكر التوبة - يعني في قوله تعالى: {وَيَتُوبُ اللّهُ} [الأحزاب: 73] لعلمه سبحانه وتعالى أنه لا بد لكل إنسان من أن يكون في جهل وظلم ثم يتوب الله على من يشاء فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبين له من الحق ما كان جاهلًا به ويرجع عن عمل كان ظالمًا فيه، وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} [البقرة: 257] ، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9] ، وقال تعالى: {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1] .
ثم بيّن الشيخ - رحمه الله- تفاوت الناس في مخالفة الحق فقال: ومما ينبغي أيضًا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة من أمور دقيقة، ومن يكون قد رد على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محمودًا فيما رده من الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض الباطل، فيكون قد رد بدعة كبيرة ببدعة أخف منها ورد بالباطل باطلًا بباطل أخف منه، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة. ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله تعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في ذلك.
يريد الشيخ - رحمه الله- أنهم إذا لم يجعلوا رأيهم المخطئ دينًا يتعصبون له فإنهم ترجى لهم المغفرة التي وعد الله به من أخطأ من غير قصد.
قال الشيخ: ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر وفسّق مخالفه دون موافقه من مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات.
ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون، وقد صح الحديث في الخوارج عن النبي - صلى الله عليه وسلم- من عشرة أوجه؛ خرجها مسلم في"صحيحه"وخرج البخاري منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفين؛ إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال.