فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 400

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - قاعدة (24) في توحيد الإلهية فقال:"وبعد، فهذه جليلة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادة واستعانة".

ثم قال فيها:"إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له؛ فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحب إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أعظم من الإيمان به. وحاجتهم إليه في عبادتهم إياه وتألههم كحاجتهم وأعظم من خلقه لهم وربوبيته إياهم؛ فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم، وبذلك يصيرون متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة بدون ذلك بحال."

بل من أعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى، ولهذا كان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ولهذا كانت لا إله إلا الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول لا إله إلا الله رأس الأمر، فأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق وقرره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم"."

ثم قال (25) - رحمه الله:"واعلم أن حق الله على عباده أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أتدري ما حق الله على عباده؟) قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟) . قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (حقهم أن لا يعذبهم) (26) "

ثم قال (27) - رحمه الله: وليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل الطعام المسموم: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] ، فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلهًا حقًا؛ إذ الله لا سميّ له ولا مثل له؛ فكانت تفسد لانتفاء ما به صلاحها.

واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا ليس له نظير فيقاس به، لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب وبينهما فروق كثيرة، فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه ولا صلاح لها إلا بلقائه، ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال. وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وفي كل وقت وأينما كان فهو معه. ولهذا قال إمامنا إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} [الأنعام: 76] .

والمخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر ولا عطاء ولا منع ولا هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل. بل ربه هو الذي خلقه ورزقه وبصّره وهداه وأسبغ عليه نعمه؛ فإذا مسه الله بضر فلا يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه. وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره، إلا بإذن الله. والقرآن مملوء من حاجة العباد إلى الله دون ما سواه ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا. وتعلق العبد بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت