المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم؛ فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة. وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه فهذه يمكن بعضها ويتعذر استيعابها على سبيل التعيين.
بيّن الشيخ - رحمه الله - في هذه الكلمات على الحديثين أنه يجب على المسلمين جماعة وأفرادًا الاتصاف بهذه الخصال الثلاث التي تجمع خيري الدنيا والآخرة:
الخصلة الأولى: أن نصلح عقيدتنا بأن نعبد الله لا نشرك به شيئًا؛ لأن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه جميع الأعمال فإذا صحت العقيدة صحت جميع الأعمال وتقبلت، وإن فسدت العقيدة فسدت جميع الأعمال وردت، ولذلك كان جميع الرسل يطالبون أممهم بإصلاح العقيدة قبل كل شيء؛ كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وهكذا يجب على الدعاة والمصلحين أن يبدءوا بالعقيدة وتنقيتها من الشرك.
وقد خالف هذا المنهج الذي هو منهج الأنبياء كثير من الدعاة اليوم فصاروا يطالبون بإصلاح جوانب من الأعمال والتصرفات ويتركون جانب العقيدة، وهم يرون الناس يقعون في الشرك الأكبر حول الأضرحة في كثير من البلاد، ولهذا لم تثمر دعوتهم؛ لأنهم بمثابة من يحاول معالجة جسم مقطوع الرأس! إن الأمة لا تستقيم ولا يتوفر لها الأمن والرزق حتى تصلح عقيدتها كما قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش] ، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] .
الخصلة الثانية: مما يرضاه الله لنا أن نعتصم بحبل الله جميعًا ولا نتفرق، وحبل الله هو القرآن والسنة. والاعتصام بهما يعني التمسك بهما والعمل بما فيهما والرجوع إليهما عند الاختلاف لفصل النزاع في جميع الأمور؛ لأنه إذا فصل النزاع بالحكم العادل زال الافتراق، وحصل الوفاق.
والخصلة الثالثة: مما يرضاه الله لنا مناصحة ولاة أمور المسلمين؛ وذلك بطاعتهم بالمعروف، وعدم مخالفتهم، والقيام بما يعهدونه إلينا من الأعمال على الوجه الصحيح؛ فيجب على الموظف أن يقوم بأعمال وظيفته على الوجه المطلوب لا ينقص منه شيئًا، ولا يضيع من وقته شيئًا في غير العمل، ولا يحابي صديقًا ولا قريبًا ولا غنيًا، ولا يأخذ رشوة ولا يضار بالمراجعين ويعطل عليهم أعمالهم.
إن هذا الحديث الشريف من جوامع الكلم التي أوتيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد جمع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - القواعد التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وهي: الاجتماع على العقيدة الصحيحة، والاجتماع تحت القيادة الرشيدة، والاجتماع على المصدر الذي نحكمه بيننا؛ ففيه وحدة العبادة، ووحدة الدستور الذي نسير عليه، ووحدة القيادة التي نتبعها. وبهذا الاجتماع تصلح الحياة ويتوفر الأمن، ويزول الخصام ونحصل على رضا الله - عز وجل -، وخير مثال لذلك ما كان عليه مجتمع المسلمين في الصدر الأول لما كانوا عاملين بهذا الحديث.
ورحم الله شيخ الإسلام حيث اختار هذا الحديث الشريف منطلقًا له في الكلام على قواعد الاجتماع والقضاء على الخصام والنزاع. إنه اختيار حكيم. ونسأل الله أن يوفق المسلمين حكامًا ومحكومين، رعاة ورعية للسير على هذا المنهج القويم.