فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 400

وقد يقال: هذا هو طلب من الأمة الدعاءَ له لأنهم إذا دعوا له حصل لهم من الأجر أكثر مما لو كان الدعاء لأنفسهم. كما قال الذي قال: أجعل صلاتي كلها عليك فقال: (إذًا يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك) (41) فطلبه منهم الدعاء له لمصلحتهم كسائر أمره إياهم بما أمرهم به، وذلك لما في ذلك من المصلحة لهم؛ فإنه قد صح عنه أنه قال: (ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا دعوة قال الملك: ولك مثله) (42)

وقال - رحمه الله - في كتاب"التوسل والوسيلة" (43) :"وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل ولا مستحبًا؛ بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه؛ وسؤال الخلق في الأصل محرم لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا على الله أفضل، قال الله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح] ؛ أي: ارغب إلى الله لا إلى غيره."

وقوله: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) (44) ، هو من أصح ما روي عنه.

وفي"المسند"لأحمد: أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا (45)

وقال (46) - رحمه الله: وأما سؤال المخلوق أن يقضي حاجة نفسه أو يدعو له فلم يؤمر به، بخلاف سؤال أهل العلم، فإن الله أمر بسؤال أهل العلم فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، وقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] ، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا} [الزخرف: 45] ، وهذا لأن العلم يجب بذله؛ فمن سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (47) ، وهو يزكو على التعليم لا ينقص بالتعليم كما تنقص الأموال بالبذل ولهذا يشبّه بالمصباح.

وكذلك من له حق عند غيره من عين أو دين كالأمانات مثل الوديعة والمضاربة لصاحبها أن يسألها ممن هي عنده، وكذلك مال الفيء وغيره من الأموال المشتركة التي يتولى قسمتها ولي الأمر للرجل أن يطلب حقه منه كما يطلب حقه من الوقف والميراث والوصية، ومن هذا الباب سؤال النفقة لمن تجب عليه وسؤال المسافر الضيافة لمن تجب عليه كما استطعم موسى والخضر أهل القرية، وكذا الغريم له أن يطلب دينه ممن هو عليه.

قال: وقد يكون السؤال منهيًا عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، وإن كان المسؤول مأمور بإجابة سؤاله.

لشيخ الإسلام رسالة تكلم فيها عن بيان ما تبنى عليه العبادة الصحيحة، فقال (48) : العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع؛ فإن الإسلام مبني على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له. والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا} الآية [الجاثية] . وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] ، فليس لأحد أن يعبد الله بما لم يشرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من واجب ومستحب، لا نعبده بالأمور المبتدعة؛ كما ثبت في السنن من حديث العرباض بن سارية: (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت