والثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء بها بالاضطرار؛ كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم، وسائر ما جاءت به النبوات.
والرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفضيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل، وإنما يعلمه مجملًا، إلى غير ذلك من الوجوه.
على أن الأساطين والفحول من هؤلاء معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه. ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قولة تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] ، وقال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28] وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27] وقد بين الله على لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده وكشف به مراده، ومعلوم للمؤمنين أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلم من غيره بذلك، وأنصح من غيره للأمة وأفصح من غيره وبيانًا، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم.
فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة، ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كما كلامه وفعله. وإنما يدخل النقص إما في نقص علمه وإما من عجز عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان. والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين.
بين شيخ الإسلام ابن تيمية (14) ـ رحمه الله ـ طوائف المنحرفين عن منهج السلف فقال: وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل.
فأهل التخييل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه؛ فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق، ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه! ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين، وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية؛ باطنية الشيعة وباطنية الصوفية. ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق!
ويقول هؤلاء: يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أنه ذلك باطل، قالوا: لأنه لا يمكن