فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 400

وقال أيضًا (3) : وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات والأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ غاية أحدهم أن يجري له بعض الأمور، أو يُحكى لهم بعض هذه الأمور؛ فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة، بسبب هذا العمل، ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به، فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة، أو سلاح، أو غير ذلك مما يطلبه، فيظن ذلك كرامة لشيخه، وإنما ذلك كله من الشيطان، وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان.

أقول: وهذا هو الذي أوقع عباد القبور اليوم في الشرك الأكبر بسبب إغواء شياطين الإنس والجن لهم بمثل هذه الدعايات الشيطانية. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

قال - رحمه الله - (4) : وأصل سؤال الخلق الحاجات الدنيوية التي لا يجب عليهم فعلها ليس واجبًا على السائل، بل المأمور به سؤال الله تعالى والرغبة إليه والتوكل عليه، وسؤال الخلق في الأصل محرم، لكنه أبيح للضرورة، وتركه توكلًا على الله أفضل. قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح] ؛ أي: ارغب إلى الله لا إلى غيره. وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ، فجعل الإيتاء لله والرسول؛ لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [آل عمران: 173] ، ولا يقولوا: حسبنا الله ورسوله. ويقولوا: {إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] ؛ لم يأمرهم أن يقولوا: إنا إلى الله ورسوله راغبون فالرغبة إلى الله وحده. كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] ؛ فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك. احفظ الله تجده تجاهك. تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله. جف القلم بما أنت لاق. فلو جهدت الخليقة على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك. فإن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا) . وهذا الحديث معروف مشهور، ولكن قد يروى مختصرًا. وقوله: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ، هو من أصح ما روي عنه (5)

وفي"المسند"لأحمد أن أبا بكر الصديق كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه. ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا (6) . وفي"صحيح مسلم" (7) عن عوف بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بايع طائفة من أصحابه وأسر إليهم كلمة خفية:"أن لا تسألوا الناس شيئًا"، قال عوف: فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه ناولني إياه. وفي"الصحيحين" (8) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب) وقال: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) ، فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون؛ أي: لا يطلبون من أحد أن يرقبهم، والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحد ذلك.

ثم نبه الشيخ على رواية مغلوطة في هذه اللفظة من الحديث فقال: وقد روي فيه: (ولا يرقون) ، وهو غلط. فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرقي نفسه وغيره ولم يكن يسترقي. فإن رقيته نفسه وغيره من جنس الدعاء لنفسه ولغيره. وهذا مأمور به فإن الأنبياء كلهم سألوا الله ودعوه؛ كما ذكر الله ذلك في قصة آدم وإبراهيم وموسى وغيرهم، وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق قال له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت