فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 400

لِّلّهِ [البقرة: 165] الآية، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] الآية، وقالوا {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] ، وقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} [ق: 26] .

وأما الربوبية فكانوا مقرين بها؛ قال الله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} إلى قوله: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 86 - 89] وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم كما ذكرنا: اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئًا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك، وهذا كقوله: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء] ، وكذا من خاف شيئًا كما يخاف الله أو رجاه كما رجاه الله وما أشبه ذلك.

وأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل؛ فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته، قال:

لأن النعم كلها لله تعالى؛ كما قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53] ، وقال تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ} [الإسراء: 20] ، فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده.

ومما يقوي هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضى الله عنهما: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) قال الترمذي: هذا حديث صحيح (58) . فهذا يدل على أنه لا ينفع في الحقيقة إلا الله ولا يضر غيره، فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه فقوي إيمانه وانشرح صدره وتنوّر قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه.

وأما الشرك الخفي فهو الذي لا يكاد أحد يسلم منه مثل أن يحب مع الله غيره، فإذا نقص خوف العبد من ربه خاف المخلوق، وطريق التخلص من هذه الآفات كلها الإخلاص لله - عز وجل -، قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] ، ولا يحصل الإخلاص إلا بزهد ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي.

قال (59) - رحمه الله: ذكر الله عن إمامنا إبراهيم خليل الله أنه قال لمناظريه من المشركين الظالمين: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام] . وفي الصحيح (60) من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الظلم بالشرك وقال: (ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ؟) ، فأنكر أن نخاف ما أشركوهم بالله من جميع المخلوقات العلويات والسفليات وعدم خوفهم من إشراكهم بالله شريكًا لم ينزل الله به سلطانًا، وبيّن أن القسم الذي لم يشرك هو الآمر المهتدي، وهذه آية عظيمة تنفع المؤمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت