لا تتسع لإدراك كل شيء، قال الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ، وقال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَاتِهِمْ تَاوِيلُهُ} [يونس: 39] .
والواجب على المسلم أن يؤمن ويوقن بما صحت به النصوص سواء اتسع لها عقله أو لم يتسع. فالإيمان بالغيب هو ميزة المؤمنين الصادقين الذين أثنى عليهم ووعدهم جزيل الثواب. نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنة وكرمه.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن الأطفال إذا ماتوا هل يتمحنون في القبر (68) ؟
فأجاب بقوله: إذا مات الطفل؛ فهل يمتحن في قبره ويسأله منكر ونكير؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره:
أحدهما: أنه لا يمتحن، وأن المحنة إنما تكون على من كلف في الدنيا؛ قاله طائفة، منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل.
والثاني: أنهم يمتحنون. ذكره أبو حكيم الهمداني وأبو الحسن بن عبدوس ونقله عن أصحاب الشافعي. وعلى هذا التفصيل في تلقين الصغير والمجنون من قال: إنه يمتحن في القبر؛ لقَّنه. ومن قال: لا يمتحن لا يلقنه. وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على طفل فقال: (اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر) (69) ، وهذا القول موافق لقول من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة وأنهم مكلفون يوم القيامة. كما هو قول أكثر أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث والكلام، وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة واختاره وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد. والله أعلم.
وإذا دخل أطفال المؤمنين الجنة فأرواحهم وأرواح غيرهم من المؤمنين في الجنة، وإن كانت درجاتهم متفاضلة، والصغار يتفاضلون بتفاضل آبائهم وتفاضل أعمالهم إذا كانت لهم أعمال؛ فإن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس هو كغيره، والأطفال الصغار يثابون على ما يفعلونه من الحسنات، وإن كان القلم مرفوعًا عنهم في السيئات كما ثبت في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفعت إليه امرأة صبيًا في محفة فقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم ولك أجر) (70) رواه مسلم في"صحيحه".
وفي"السنن"أنه قال: (مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها العشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) (71) ، وكانوا يصوِّمون الصغار يوم عاشوراء وغيره.
فالصبي يثاب على صلاته وصومه وحجه وغير ذلك من أعماله ويفضَّل بذلك على من لم يعمل كعمله، وهذا غير ما يُفعل به إكرامًا لوالديه. كما أنه في النعم الدنيوية قد ينتفع بما يكسبه، وبما يعطيه أبواه ويتميز بذلك على من ليس كذلك.
وأرواح المؤمنين في الجنة كما جاءت بذلك الآثار، وهو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (نسمة المؤمن تَعْلَق من الجنة) (72) ؛ أي: تأكل، ولم يُوقَّتْ في ذلك وقت قبل يوم القيامة.