أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن هذا من تشبيه المخلوق بالخالق واتخاذ الأنداد له.
هذا ما قرره شيخ الإسلام في هذه المسألة المهمة - التي هي اتخاذ الوسائط - حيث بيّن أن وساطة الرسل بين الله وبين خلقه وساطة تبليغ عن الله، وواجبنا طاعتهم في ذلك، ووساطة العلماء بين الرسل والأمة هي وساطة تبليغ العلم الذي جاءت به الرسل؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء.
أما اتخاذ الأنبياء والعلماء وسائط عند الله في قضاء الحاجات وقبول الدعوات فهي وساطة باطلة ومن أثبتها فهو كافر بالله - عز وجل -؛ لأن الله لم يجعل بيننا وبينه وسائط في هذا الشأن، بل حكم بكفر من اعتقد ذلك، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر] .
قال - رحمه الله - مبينًا الفرق بين الواسطة التي تكون بين الملوك وبين رعاياهم وبين ما يزعم من الواسطة بين الله وبين خلقه. قال (8) : فهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق. فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة:
إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه. ومن قال: إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم؛ فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] ، وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] ، وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك، والله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والوجه الثالث: أن يكون المَلك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملكَ من ينصحه ويعظمه أو من يُدلُّ عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه؛ تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح والواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المُدِلِّ عليه.