فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 400

عن أهل النار: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك] ، إلى أن قال:

وهذا مما أجمع عليه جميع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أمره وخبره، قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] ، ومن أنكر هذه الواسطة فهو كافر بإجماع أهل الملل، يعني لأنه كافر بالرسل ومكذب لهم.

وقد قص الله قصص الكفار الذين كذبوا الرسل كيف أهلكهم ونصر رسله والذين آمنوا.

قال: فهذه الوسائط تطاع وتتبع ويقتدى بها كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} [النساء: 64] وقال: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} [النساء: 80] {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31] .

ثم بيّن - رحمه الله - الواسطة الأخرى التي من أثبتها كفر، فقال (5) : إن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رَزْق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجونه فيه فهذا من أعظم الشرك الذي كفّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دونه أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار.

ثم استثنى - رحمه الله - الشفاعة التي يأذن الله بها لمن رضي قوله وعمله، فقال (6) : لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حق.

ثم قال: فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين.

وذكر الآيات الدالة على ذلك، ومنها قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران] ، قال: فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر؛ فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب؛ فهو كافر بإجماع المسلمين.

قال: ومن سِوى الأنبياء من مشائخ العلم والدين فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك، وهؤلاء - يعني العلماء - إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة؛ لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول؛ إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق. بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر) (7) ، فالعلماء وسائط بهذا المعنى، وأما من جعلهم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجَّاب الذين بين الملِك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه! فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله! فمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت