فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 400

بالعمل. فهذا هو الذي يصلح، وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده قائمًا في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه.

أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النص؛ فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعًا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله. بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (61) ، والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلَّك على أن هذا القول هو الراجح؛ فعليك أن تتبع، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضًا راجحًا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده.

وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود فيه بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي وضحت حجته، أو الانتقال عن قوله لمجرد عادة أو اتباع هوى فهو مذموم.

وإذا كان الإمام المقلَّد قد سمع الحديث وتركه، لا سيما إذا كان قد رواه أيضًا فمثل هذا وحده لا يكون عذرًا في ترك النص، فقد بينا فيما كتبناه في"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"نحو عشرين عذرًا للأئمة في ترك العمل ببعض الحديث، وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار. فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح، أو أن راويه مجهول، ونحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته وثقة راويه، فقد زال عذر ذلك في حق هذا. . . إلى آخر ما قال - رحمه الله- في هذا الموضوع المهم.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: ما الذي يجب اعتقاده على المكلف؟ وما الذي يجب عليه علمه؟ وما هو العلم المرغب فيه؟ وما هو اليقين؟ وكيف يحصل؟ وما العلم بالله؟

فأجاب (62) : الحمد لله رب العالمين. أما قوله: ما الذي يجب على المكلف اعتقاده؟ فهذا فيه إجمال وتفصيل:

أما الإجمال فإنه يجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله، ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما أمر به الرسول ونهى؛ بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به، فلا بد من تصديقه فيما أخبر، والانقياد فيما أمر.

وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به وأمر به. وأما ما أخبر الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ولم يمكنه العلم بذلك فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلًا، وهو داخل في إقراره بالمجمل العام، ثم إن قال خلاف ذلك متأولًا كان مخطئًا يغفر له خطؤه إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان. ولهذا يجب على العلماء من الاعتقاد ما لا يجب على آحاد العامة، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ بدار جهل، وأما ما علم بثبوته بمجرد القياس العقلي دون الرسالة؛ فهذا لا يعاقب إن لم يعتقده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت