ثم تطرق - رحمه الله- إلى تفنيد مقالة المتكلمين الذين يميزون بين ما ثبت بالعقل فيوجبون الإقرار به دون ما ثبت بالشرع، قال - رحمه الله-: وأما قول طائفة من أهل الكلام إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها ويكفر تاركها، بخلاف ما ثبت بالسمع؛ فإنهم تارة ينفونه وتارة يتأولونه أو يفوضون معناه وتارة يثبتونه، لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقًا بالصفات العقلية؛ فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها؛ إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة. وبالأدلة الشرعية يميَّز بين المؤمن والكافر لا بمجرد الأدلة العقلية.
وأما قوله - يعني السائل: ما الذي يجب عليه علمه؟ فهذا أيضًا يتنوع فإنه يجب على كل مكلف أن يعلم ما أمر الله به. فيعلم ما أمر بالإيمان به وما أمر بعلمه، بحيث لو كان ما تجب فيه الزكاة لوجب عليه تعلم علم الزكاة. ولو كان له ما يحج به لوجب عليه تعلم علم الحج. وكذلك أمثال ذلك.
ويجب على عموم الأمة علم جميع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم- بحيث لا يضيع من العلم الذي بلغه النبي - صلى الله عليه وسلم- أمته شيء، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، لكن القدر الزائد على من يحتاج إليه المعين فرض على الكفاية. إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين. وأما العلم المرغب فيه جملة فهو العلم الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم- أمته لكن يُرغَّب كل شخص في العلم الذي هو إليه أحوج وهو له أنفع. وهذا يتنوع؛ فرغبة عموم الناس في معرفة الواجبات والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم. وكل شخص منهم يُرغَّب في كل ما يحتاج إليه من ذلك، ومن وقعت في قلبه شبهة فقد تكون رغبته في عمل ينافيها أنفع من غير ذلك.
ولما كان السائل قد سأل: ما هو اليقين؟ قال الشيخ: وأما اليقين فهو طمأنينة القلب واستقرار العلم فيه، وهو معنى ما يقولون: ماءٌ يقِنٌ: إذا استقر عن الحركة، وضد اليقين الريب، وهو نوع من الحركة والاضطراب، يقال: رابني يريبني، ومنه في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم- مر بظبي حاقف فقال: (لا يريبه أحد) (63)
ثم اليقين ينتظم منه أمران: علم القلب وعمل القلب؛ فإن العبد قد يعلم علمًا جازمًا بأمر ومن هذا قد يكون في قلبه حركة واختلاج من العمل الذي يقتضيه ذلك العلم؛ كعلم العبد أن الله رب كل شيء ومليكه ولا خالق غيره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فهذا قد تصحبه الطمأنينة إلى الله والتوكل عليه، وقد لا يصحبه العمل بذلك، إما لغفلة القلب عن هذا العلم، والغفلة هي ضد العلم التام وإن لم تكن ضدًا لأصل العلم، وإما للخواطر التي تنسخ في القلب من الالتفات إلى الأسباب وإما لغير ذلك.
وفي الحديث المشهور الذي رواه أبو بكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (سلوا الله اليقين والعافية. فما أعطي أحد بعد اليقين شيئًا خيرًا من العافية فسلوهما الله) (64) ، فأهل اليقين إذا ابتلوا ثبتوا بخلاف غيرهم؛ فإن الابتلاء قد يُذهِب إيمانه أو ينقصه، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] ، ألا ترى إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران] ، فهذه حال هؤلاء، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} إلى قوله: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب] ، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المدثر: 31] الآيتين.