فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 400

وإما ممكن بنفسه موجود بغيره، وكل محدث وممكن بنفسه موجود بغيره فلا بد من قديم واجد بنفسه، فالوجود بالضرورة يستلزم إثبات موجود قديم، ومن الموجود ما هو ممكن محدث كما نشهده في المحدثات من الحيوانات والنبات. فإذا عُلم بضرورة أن الوجود فيه ما هو موجود قديم واجب بنفسه. وفيه ما هو محدث موجود ممكن بنفسه. فهذان الموجودان اتفقا في مسمّى الوجود. وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده؛ فمن لم يثبت ما بين الوجودين من اتفاق وما بينهما من الافتراق؛ وإلا لزمه أن تكون الموجودات كلها قديمة واجبة بأنفسها، أو محدثة ممكنة مفتقرة إلى غيرها، وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار. فتعيّن إثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه. ونحن نعلم أن ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات أعظم مما تمتاز به سائر الموجودات بعضها عن بعض فإذا كان الملك والبعوض قد اشتركا في مسمّى الموجود والحي مع تفاوت ما بينهما. فالخالق سبحانه أولى بمباينته للمخلوقات، وإن حصلت الموافقة في بعض الأسماء والصفات.

فإذا ظهرت لنا هذه المقدمة تبيّن لنا أن قول القائل: كلما قام الدليل على أنه يدل على التجسيم كان متشابهًا؛ جواب لا ينقطع به النزاع ولا يحصل به الانتفاع. ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم والزائغ والقويم وذلك أنه ما من نافٍ ينفي شيئًا من الأسماء والصفات، إلا وهو يزعم أنه قد قام عنده دليل العقل على أنه يدل على التجسيم؛ فيكون متشابهًا. فيلزم حينئذ أن تكون جميع الأسماء والصفات متشابهات وحينئذ فيلزم التعطيل المحض، وألا يفهم من أسماء الله تعالى وصفاته معنى، ولا يميّز بين معنى الحي والعليم، والقدير والرحيم، والجبار والسلام، ولا بين معنى الخلق والاستواء وبين الإماتة والإحياء، ولا بين المجيء والإتيان ولا بين العفو والغفران.

وبيان ذلك أن من نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطة الباطنية، ومن وافقهم من الفلاسفة يقولون: إذا قلتم إن القرآن غير مخلوق، وأن لله تعالى علمًا وقدرة وإرادة فقد قلتم بالتجسيم؛ فإنه قد قام دليل العقل على أن هذا يدل على التجسيم؛ لأن هذه المعانٍ لا تقوم بنفسها، لا تقوم إلا بغيرها، سواء سمّيَت صفاتً أو أغراضًا أو غير ذلك. قالوا: ونحن لا نعقل قيام المعنى إلا بجسم فإثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول. قال المثبت: بل هذه المعاني يمكن قيامها بغير جسم كما أمكن عندنا وعندكم إثبات عالم قادر ليس بجسم. وقالت المثبتة: الرضا والغضب والوجه واليد والاستواء والمجيء وغير ذلك؛ فأثبتوا هذه الصفات أيضًا، وقالوا: إنها تقوم بغير جسم. فإن قالوا: لا يعقل رضا وغضب إلا ما يقوم بقلب هو جسم ولا نعقل وجهًا ويدًا إلا ما هو بعض جسم. قيل لهم: ولا نعقل علمًا إلا ما هو قائم بجسم ولا قدرة إلا ما هو قائم بجسم ولا نعقل سمعًا وبصرًا وكلامًا إلا ما هو قائم بجسم فلم فرقتم بين المتماثلين، وقلتم: إن هذه يمكن قيامها بغير جسم، وهذه لا يمكن قيامها إلا بغير جسم؟ وهما في المعقول سواء!

قال الشيخ (118) -رحمه الله- في جمل مقالات الطوائف وموادهم: أما باب الصفات والتوحيد، فالنفي فيه في الجملة قول الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من الجهمية، وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق. وكذلك بين البغداديين والبصريين اختلاف في السمع والبصر؛ هل هو علم أو إدراك؟ أو الإدراك غير العلم؟ وهذا المذهب الذي يسميه السلف قول جهم؛ لأنه أول من أظهره في الإسلام وقد بينت أنه متلقى من الصابئة الفلاسفة والمشركين البراهمة واليهود السحرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت