فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 400

والإثبات في الجملة مذهب الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنبلية، وأكثر المالكية والشافعية إلا الشاذ منهم، وكثير من الحنفية أو أكثرهم وهو قول السلفية، لكن الزيادة في الإثبات إلى حد التشبيه هو قول الغالية من الرافضة، ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين.

وبين نفي الجهمية وإثبات المشبهة مراتب. فالأشعرية وافق بعضهم في الصفات الخبرية. وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية. وأما في الصفات القرآنية فلهم قولان؛ فالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها. وفيهم تجهم من جهة أخرى فإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم، وابن الباقلاني أكثر إثباتًا في"الإبانة"، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك فإنه أثبت بعض ما في القرآن. وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة، فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم قليل المعرفة بالآثار فأثر فيه مجموع الأمرين. والقشيري تلميذ ابن فورك. فلهذا تغلظ مذهب الأشعري من حينئذ ووقع بينه وبين الحنبلية تنافر بعد أن كانوا متوالفين أو متسالمين.

وأما الحنبلية فأبو عبد الله ابن حامد قوي في الإثبات جاد فيه ينزع لمسائل الصفات الخبرية، وسلك طريقه صاحبه القاضي أبو يعلى، لكنه ألين منه وأبعد عن الزيادة في الإثبات.

وأما أبو عبد الله ابن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة كأبي بكر الآجري في"الشريعة"واللالكائي في"السنن"والخلال مثله قريب منه. وإلى طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخرو المحدثين. وأما التميميون كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق الله فهم أبعد عن الإثبات، وأقرب إلى موافقة غيرهم وألين لهم. ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية كالباقلاني والبيهقي. فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها البيهقي، مع أن القوم ماشون على السنة. وأما ابن عقيل فإذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر، وكرامات الأولياء، بحيث يكون الأشعري أحسن قولًا منه وأقرب إلى السنة. فإن الأشعري ما كان ينتسب إلا إلى مذهب أهل الحديث وإمامهم عنده أحمد ابن حنبل، وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز وغيره في"مناظراته"ما يقتضي أنه من متكلمه أهل الحديث؛ لم يجعله مباينًا لهم. وكانوا قديمًا متقاربين. إلا أن فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم إلى شيء من الكلام لما في ذلك من البدع، مع أنه في أصل مقالاته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر عنها تقصيرًا معروفًا.

والأشعرية فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية. كما أن متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلي فرع عليهم. وإنما وقعت الفتنة بسبب القشيري، ولا ريب أن الأشعرية الخراسانيين كانوا قد انحرفوا إلى التعطيل وكثير من الحنبلية زادوا في الإثبات. وصنف القاضي أبو يعلى كتابه في"إبطال التأويل"ورد فيه على ابن فورك شيخ القشيري. وكان الخليفة وغيره مائلين إليه، فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة وأكثر الحق فيها ما كان مع الفرائية مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل. فابن عقيل إنما وقع في كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه أبي علي بن الوليد وأبي القاسم ابن التبان المعتزليين. ولهذا له في كتابه"إثبات التنزيه"وفي غيره كلام يضاهي المريسي ونحوه، لكن له في الإثبات كلام كثير حسن وعليه استقر أمره في كتاب"الإرشاد"، مع أنه قد يزيد في الإثبات، ولكن مع هذا فمذهبه في الصفات قريب من مذهب قدماء الأشعرية والكلابية في أنه يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر ويتأول غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت