السماء، لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء. واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين. وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحًا عنه بذلك. فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ثم ذكر الشيخ (24) رحمه الله نقولًا كثيرة عن أئمة آخرين فيما يبلغ اثنين وخمسين صفحة ثم قال بعدها: قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئًا من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره، ولكن الحق يقبل كل من تكلم به. وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه الذي رواه أبو داود في"سنته" (25) : اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافرًا، أو قال فاجرًا. واحذروا زيغة الحكيم. قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورًا أو قال كلامًا هذا معناه.
وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منها كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته، ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضًا البتة. مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه) (26) ، ونحو ذلك فإن ذلك غلط، وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد] ، فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال (27) : (والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه) ، وذلك أن كلمة"مع"في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا. ويقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك. فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة.
يبين الشيخ (28) رحمه الله معنى معية الله لخلقه وأنها لا تنافي علوه فوق مخلوقاته واستواءه على عرشه، فيقول: المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} إلى قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، دل على ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطلع عليكم شهيد عليكم ومهيمن عالم بكم. وهذا معنى قول السلف: أنه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته. وكذلك في قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله: {هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] الآية. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه في الغار: (لا تحزن إن الله معنا) ، كان هذا أيضًا حقًا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع والنصر والتأييد. وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل] ، وكذلك قوله لموسى وهارون: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، هنا المعية على ظاهرها وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد. وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول: لا