فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 400

تخف أنا معك أو أنا هنا أو أنا حاضر، أو نحو ذلك ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه. ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها وربما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع. فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورًا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فأما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك في جميع مواردها، وإن امتاز كل موضع بخاصية. فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق حتى يقال: صرف عن ظاهرها.

ونظيرها من بعض الوجوه: الربوبية والعبودية فإنهما وإن اشتركا في لفظ الربوبية والعبودية فلما قال: {بِرَبِّ العَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف] ، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربّه ورباه ربوبية وتربية أكمل من غيره. وكذلك قوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان] ، و {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء] ، فإن العبد تارة يعني به المعبد فيعم جميع الخلق كما في قوله: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدا} [مريم] ، وتارة يعني به العباد فيخص، ثم يختلفون فمن كان أعبد علمًا وحالًا كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل مع أنها حقيقة في جميع المواضع. مثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشككة لتشكك المستمع فيها هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط؟ والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة، إذا واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك، وإن كانت نوعًا مختصًا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ، ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات كإضافة الربوبية مثلًا، وأن الاستواء ليس إلا للعرش، وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازًا علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف.

ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب إن نقله من غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحدًا يفهم هذا اللفظ ولا رأينا أحدًا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله ورسوله:"إن الله في السماء"أن السماء تحويه؟ لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لم يخطر ببالنا.

وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه ثم يريد أن يتأوله. بل عند الناس: أن الله في السماء، وهو على العرش واحد. إذ السماء إنما يراد به العلو. فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وتعالى وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه؟ وقد قال سبحانه: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ، وقال: {فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} [آل عمران: 137] ، بمعنى (على) ، ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقي لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه) (29) الحديث، حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش وهو قبل وجه المصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات. فإن الإنسان لو أنه يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضًا قبل وجهه. وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بذلك - ولله المثل الأعلى- ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًا به) ، فقال له رزين العقيلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت