قال شيخ (98) الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في الرد على من قال: إن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة، وأن عمر أنكر عليه كثرة الرواية ونهاه عن الحديث، وأنكر عليه ابن عباس وعائشة أشياء، قال الشيخ: هذا خطأ من وجوه:
أحدها: قوله: إن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة؛ فإن عمر ولى أبا هريرة على البحرين وهم خيار المسلمين الذين هاجر وفدهم إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم وفد عبد القيس، وكان أبو هريرة أميرهم هو الذي يفتيهم بدقيق الفقه؛ مثل مسألة المطلقة دون الثلاث إذا تزوجت زوجًا أصابها؛ هل تعود إلى الأول على الثلاث؟ كما هو قول ابن عباس وابن عمر، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن عمر بناء على أن إصابة الزوج تهدم ما دون الثلاث كما هدمت الثلاث. أو تعود على ما بقي؟ كما هو قول عمر وغيره من أكابر الصحابة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، بناء على أن إصابة الزوج الثاني إنما هي غاية التحريم الثابت بالطلاق الثالث فهو الذي يرتفع بها، والمطلقة دون الثلاث لم تحرم فلا ترفع الإصابة منها شيئًا، فأفتى أبو هريرة بهذا القول ثم سأل عمر فأقره على ذلك. وقال: لو أفتيت بغيره لأوجعتك ضربًا (99)
وكذلك أفتى أبو هريرة في دقائق مسائل الفقه مع فقهاء الصحابة كابن عباس وغيره، وأقواله المنقولة عنه في فتاويه تدل على ذلك. وإذا كان عمر وعلي أفقه من عمران بن حصين وأبي موسى الأشعري؛ لم يخرجا بذلك من الفقه. وكذلك إذا كان معاذ وابن مسعود ونحوهما أفقه من أبي هريرة وعبد الله بن عمر ونحوهما؛ لم يخرجا بذلك من الفقه.
الوجه الثاني: أن يقال لهذا المعترض: جميع علماء الأمة عملت بحديث أبي هريرة فيما يخالف القياس والظاهر؛ كما عملوا جميعهم بحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) (100)
وعمل أبو حنيفة مع الشافعي وأحمد وغيرهما بحديثه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) (101) ، مع أن القياس عند أبي حنيفة أنه يفطر فترك القياس لحديث أبي هريرة، ونظائر ذلك تطول.
ومالك والشافعي وأحمد عملوا بحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا (102) ، مع أن القياس عند مالك أنه لا يغسل لأنه طاهر عنده.
بل الأئمة يتركون القياس لما هو دون حديث أبي هريرة؛ كما ترك أبو حنيفة القياس في مسألة القهقهة (103) بحديث مرسل لا يعرف من رواه من الصحابة، وحديث أبي هريرة أثبت منه باتفاق الأمة.
الوجه الثالث أن يقال: المحدث إذا حفظ اللفظ الذي سمعه لم يضره أن لا يكون فقيهًا، كالملقنين بحروف القرآن وألفاظ التشهد والأذان ونحو لك. وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نضر الله امرءًا سمع حديثًا فبلغه إلى من لم