فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 400

يسمعه. فرب حامل فقه غير فقيه. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (104) وهذا بين في أنه يؤخذ حديثه الذي فيه الفقه من حامله الذي ليس بفقيه ويؤخذ عمن هو دونه في الفقه. وإنما يحتاج في الرواية إلى الفقه إذا كان قد روي بالمعني، فخاف أن غير الفقيه يغير المعنى وهو لا يدري، وأبو هريرة كان من أحفظ الأمة. وقد دعا (105) له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحفظ، قال: فلم أنس شيئًا سمعته بعد. ولهذا روى حديث المصراة (106) وغيره بلفظ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

الوجه الرابع: أن الصحابة كلهم كانوا يأخذون بحديث أبي هريرة كعمر وابن عمر وابن عباس وعائشة، ومن تأمل كتب الحديث عرف ذلك.

الوجه الخامس: أن أحدًا من الصحابة لم يطعن في شيء رواه أبو هريرة بحيث قال: إنه أخطأ في هذا الحديث لا عمر ولا غيره، بل كان لأبي هريرة مجلس إلى حجرة عائشة فيحدث ويقول: يا صاحبة الحجرة هل تنكرين مما أقول شيئًا؟ فلما قضت عائشة صلاتها لم تنكر مما رواه شيئًا. لكن قالت: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يسرد الحديث سردكم (107) ولكن كان يحدث حديثًا لو عده العاد لحفظه. فأنكرت صفة الأداء لا ما أداه.

وكذلك ابن عمر قيل له: هل تنكر مما يحدث أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا ولكن أخبر وجبنا. فقال أبو هريرة: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا (108)

وكانوا يستعظمون كثرة روايته حتى يقول بعضهم: أكثر أبو هريرة! حتى قال أبو هريرة: الناس يقولون: أكثر أبو هريرة. والله الموعد. أما إخواني من المهاجرين فكان يشغلهم الصفق في الأسواق. وأما إخواني من الأنصار فكان يشغلهم عمل أموالهم. وكنت امرءًا مسكينًا ألزم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكنت أشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا. ولقد حدثنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديثًا ثم قال: (أيكم يبسط ثوبه) ؟ فبسط ثوبي فدعا لي فلم أنس شيئًا بعد سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (109) وروي عنه أنه كان يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: ثلثًا يصلي، وثلثًا يكرر علي الحديث، وثلثًا ينام. فقد بين أن سبب حفظه ملازمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقطع العلائق ودعاؤه له.

وكان عمر بن الخطاب يستدعي الحديث من أبي هريرة ويسأله عنه ولم ينهه عن رواية ما يحتاج إليه من العلم الذي سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا توعده على ذلك. ولكن كان عمر يحب التثبت في الرواية حتى لا يجترئ الناس فيزاد في الحديث. ولهذا طلب من أبي موسى الأشعري من يوافقه على حديث الاستئذان (110) ، مع أن أبا موسى من أكابر الصحابة وثقاتهم باتفاق الأئمة.

الوجه السادس: أن الصحابة كانوا يرجعون في مسائل الفقه إلى من هو دون أبي هريرة في الفقه، كما رجع عمر بن الخطاب إلى حمل بن مالك وغيره في دية الجنين. وكما رجع عثمان ابن عفان إلى الفريعة بنت مالك في لزوم المتوفى عنها لمنزل الوفاة. وكما رجع عمر بن الخطاب وغيره في توريث المرأة من دية زوجها على الضحاك بن سفيان الكلابي. وكما رجع زيد بن ثابت وغيره إلى امرأة من الأنصار في سقوط طواف الوداع عن الحائض.

وكذلك ابن مسعود لما أفتى المفوضة المتوفى عنها بمهر المثل، فقام رجال من أشجع فشهدوا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به؛ ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا (111)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت