فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 400

وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: {إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] ، وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] ، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير.

وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: {إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النساء: 143] ، وسمى بعض عباده بالرؤوف الرحيم فقال: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] . وليس الرؤوف كالرؤوف ولا الرحيم كالرحيم.

وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن وسمى بعض عباده بالمؤمن، فقال: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] ، وليس المؤمن كالمؤمن. وسمى نفسه بالعزيز فقال: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23] . وسمى بعض عباده بالعزيز فقال: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} [يوسف: 51] وليس العزيز كالعزيز. وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] ، وليس الجبار كالجبار ولا المتكبر كالمتكبر، ونظائر هذا متعددة.

ثم ذكر - رحمه الله - أمثلة لهذا الاشتراك في الصفات فقال: ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير] ، وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] ، ووصف نفسه بالمحبة، ووصف عبده بالمحبة، فقال: {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، وصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال: {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119] . ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته، ولا محبته مثل محبته ولا رضاه مثل رضاه، إلى أن قال: ونظائر هذا كثيرة فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي مماثلته بخلقه. فمن قال: ليس لله علم ولا قوة ولا رحمة ولا كلام ولا يحب ولا يرضى ولا نادى ولا ناجى ولا استوى؛ كان معطلًا جاحدًا ممثلًا لله بالمعدومات والجمادات. ومن قال: له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي؛ كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل.

انتهى المقتبس من كلامه - رحمه الله - حول هذا الموضوع المهم الذي زلت فيه الأقدام، وضلت فيه أفهام، لأنها لم تسر على هذه القاعدة العظيمة، وهي وجوب إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه، وأن الاشتراك في الاسم أو الاشتراك في الصفة بين المخلوق والخالق في اللفظ والمعنى العام؛ لا يلزم منه الاشتراك في الحقيقة والكيفية فلله أسماء وصفات تخصه وتليق به، وللمخلوق أسماء تخصه وتليق به والذي يميز هذا الفرق هو الإضافة؛ فإذا أضيفت الأسماء والصفات إلى الله صار لها معنى يختص به سبحانه، وإذا أضيفت إلى المخلوق صار لها معنى يليق به ويختص به؛ فلا تعطيل ولا تمثيل. والحمد لله رب العالمين.

قال (7) - رحمه الله: ويتبين هذا بأصلين شريفين ومثلين مضروبين: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [النحل: 60] ، وبخاتمة جامعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت