فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 400

ثم ذكر الشيخ أنه لا يلزم من اتفاق أسماء الله وصفاته مع أسماء المخلوقين وصفاتهم في الألفاظ اتفاقها في الحقائق والأعيان، وضرب لذلك مثلًا في مسمى الوجود فالخالق سبحانه موجود والمخلوق موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه، ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم، عند الإضافة والتخصيص والتقييد؛ فالعرش شيء موجود والبعوض شيء موجود، ولا يقال: إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمّى صفاته بأسماء وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين عند الإطلاق تماثل مسماهما عند الإضافة والتقييد. فقد سمّى الله نفسه حيًا فقال: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] ، وسمى بعض عباده حيًا فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، وليس هذا الحي مثل هذا الحي. ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والتخصيص، المانعين من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه - سبحانه وتعالى -.

وذكر - رحمه الله - تعالى أمثلة كثيرة مما سمى به نفسه وسمى به بعض مخلوقاته، وأنه لا يلزم من الاتفاق في الاسم الاتفاق في المسمى والحقيقة. وفي ذلك رد على الذين يقولون: إنه يلزم من إثبات الأسماء والصفات لله التمثيل بالمخلوقين، لأن هذه الأسماء والصفات تطلق عليهم.

وقد ذكر أيضًا في رسالته"التدمرية"أنه لا يلزم من اشتراك أسماء الله وصفاته مع أسماء وصفات المخلوقين في اللفظ والمعنى العام الموجود في الذهن، اشتراكهما في الخارج في الحقيقة والكيفية، إذ لله سبحانه أسماء وصفات تخصه، وللمخلوق أسماء وصفات تخصه، فقال (6) - رحمه الله: ولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما، واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص؛ اتفاقهما ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.

فقد سمى الله نفسه حيًا، فقال: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . وسمى بعض عباده حيًا فقال: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، وليس هذا الحي مثل هذا الحي. لأنّ قوله: {الْحَيُّ} اسم لله مختص به. وقوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} اسم للحي المخلوق مختص به. وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق، ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته. يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق وما دل عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه - سبحانه وتعالى -.

وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] يعني إسحاق. وسمى آخر حليمًا فقال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] يعني إسماعيل. وليس العليم كالعليم ولا الحليم كالحليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت