فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 400

كُلِّ دَآبَّةٍ [البقرة: 164] ، وكما جعل الشمس والقمر سببًا لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سببًا لما يقضيه بذلك مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه الله بها ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:

أحدها: أن السبب المعيَّن لا يستقل بالمطلوب بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع؛ فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.

الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم أو يخالف الشرع كان مبطلًا، مثل أن يظن أن النذر سبب في حصول النعماء ودفع البلاء.

وقد ثبت في"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن النذر وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) (19)

الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببًا إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز لإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه وكذلك لا يعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة وإن ظن ذلك؛ فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان فلا يحل له ذلك إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة به. إذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. فما أمر الله به فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة.

وقال - رحمه الله - ردًا على من قال: إن الله يسمع الدعاء بواسطة محمد - صلى الله عليه وسلم: إن أراد بذلك أن الإيمان بمحمد وطاعته والصلاة والسلام عليه وسيلة للعبد في قبول دعائه وثواب دعائه فهو صادق، وإن أراد أن الله لا يجيب الدعاء حتى يرفعه إلى مخلوق أو يقسم عليه به، أو أن نفس الأنبياء بدون الإيمان بهم وطاعتهم وبدون شفاعتهم وسيلة في إجابة الدعاء، فقد كذب في ذلك. والله أعلم.

قال شيخ الإسلام (20) في حكم التوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم: أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته، ونحو ذلك مما هو من أفعال الرسول، وأفعال المأمور بها في حقه - صلى الله عليه وسلم -؛ فهذا التوسل مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة يتوسلون به في حياته وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كما كانوا يتوسلون به.

وأما قول القائل: اللهم! إني أتوسل إليك به؛ فالذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجوز؛ لأن ذلك إقسام على الله بمخلوق ولا يجوز الإقسام على الله بأحد من خلقه لا من الملائكة ولا من الأنبياء؛ فإنا لا نعلم أحدًا من السلف والأئمة قال: إنه يقسم بالنبي على الله، كما لم يقولوا: إنه يقسم بغيره مطلقًا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) (21) ، وقال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (22) والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت