وهؤلاء الضالون الذين يضلهم الشيطان يحملهم في الهواء يحمل أحدهم بثيابه فيقف بعرفة، ويرجع تلك الليلة حتى يرى في اليوم الواحد ببلده، ويرى بعرفة، ومنهم من يتصور الشيطان بصورته ويقف بعرفة فيراه من يعرفه واقفًا فيظن أنه ذلك الرجل وقف بعرفة، ومثل هذا وأمثاله يقع كثيرًا وهي أحوال شيطانية، قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] ، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
فالأحوال الرحمانية كرامات سببها الإيمان وهي نعمة من الله على عبده لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين، وأما أصحاب الأحوال الشيطانية فهم من جنس الكهان يكذبون تارة ويصدقون أخرى، ولا بد في أعمالهم من مخالفة للأمر، ولهذا يوجد الواحد منهم مُلابسًا للخبائث من النجاسات والأقذار التي تحبها الشياطين، ومرتكبًا للفواحش ظالمًا للناس، وهذا فرق ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. والله المستعان.
قال (55) - رحمه الله: اعلم أن الشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به. قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] وفي"الصحيحين" (56) أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) . والند: المثل، قال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] ، وقال تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [الزمر: 8] ، فمن جعل لله ندًا من خلقه فيما يستحقه - عز وجل - من الإلهية والربوبية فقد كفر بإجماع الأمة؛ فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر مقهور بالعبودية فكيف يصلح أن يكون إلهًا؟ قال الله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} [الزخرف: 15] ، وقال تعالى: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] .
وذكر - رحمه الله - آيات في هذا المعنى، ثم قال (57) : فالله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته. قال تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فذكر الحمد بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد؛ فدل على أن الحمد كله لله، ثم حصره في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، فهذا تفصيل لقوله: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] فهذا يدل على أنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] إشارة إلى عبادته بما اقتضته الربوبية من التوكل والتفويض والتسليم؛ لأن الرب سبحانه هو المالك، وفيه أيضًا معنى الربوبية والإصلاح، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء، إلى أنه قال - رحمه الله: ولهذا قيل: إن هذه الآية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ؛ جمعت أسرار القرآن؛ لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء، كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبادته بالتفويض والتسليم، وجميع العبوديات داخلة في ذلك، إلى أنه قال: فإذا تقرر هذا: فالشرك يكفر به صاحبه، هو نوعان؛ شرك في الإلهية وشرك في الربوبية.
فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندًا - أي: مثلًا - في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته. فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. قال تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا