الذي جاءهم من عند الله، كما قال تعالى: {أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} [الروم] ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56] ، وقال لبني آدم: {فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [البقرة: 38] ، {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه] .
وبيان ذلك أن الشخص إما أن يَبِن له أن ما بعث الله به رسوله حق ويعدل عن ذلك إلى اتباع هواه، أو يحسب ما هو عليه من ترك ذلك هو الحق، فهذا متبع للظن والأول متبع لهواه، أو فيه اجتماع الأمرين، قال تعالى في صفة الأولين: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل] ، وقال تعالى في صفة الأخسرين: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف] ، وقال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ} [فاطر: 8] ، فالأول: حال المغضوب عليهم الذين يعرفون الحق ولا يتبعونه كما هو موجود في اليهود. والثاني: حال الذين يعملون بغير علم قال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119] ، وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50] . وكل من يخالف الرسل هو مقلد متبع لمن لا يجوز له اتباعه، وكذلك من اتبع الرسول بغير بصيرة ولا تبيُّن وهو الذي يسلِّم بظاهره من غير أن يدخل الإيمان إلى قلبه كالذي يقال له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته؛ هو مقلد، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق؛ أي: لمات (14) .
يواصل الشيخ - رحمه الله - رده على من يقول (15) : إن اليهود والنصارى مقلدون، والمسلمون مقلدون؛ فلا لوم على اليهود والنصارى إذًا، فيقول الشيخ: فإذا تبين أن المقلد مذموم، وهو من اتبع هوى من لا يجوز اتباعه، كالذي يترك طاعة رسل الله ويتبع ساداته وكبراءه، أو اتبع الرسول ظاهرًا من غير إيمان في قلبه؛ تبين أن اليهود والنصارى كلهم مقلدون تقليدًا مذمومًا، وكذلك المنافقون من هذه الأمة، وأما أهل البدع ففيهم برٌّ وفجور. وبيان ذلك من وجوه:
أحدهما: أن اليهود والنصارى الذين يزعمون أنهم يتبعون موسى وعيسى عليهما السلام إنما يتبعونهم لأجل أنهم رسل الله، وما من طريق تثبت بها نبوة موسى وعيسى إلا ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أولى وأحرى. مثال ذلك: إذا قال اليهود والنصارى قد ثبت بالنقل المتواتر أن موسى وعيسى مع دعواه النبوة ظهرت على يديه الآيات الدالة على صدقه وأن ما يجيء به مع دعوى النبوة يثبت أنه نبي صادق. قيل له: كل من هاتين الطريقتين دليل يُثبت نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بطريق الأولى.
فإنه من المعلوم أن الذين نقلوا ما دعا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - من الدين والشريعة، ونقلوا ما جاء به من الآيات المعجزات أعظم من الذين نقلوا مثل ذلك عن موسى وعيسى، بل من نظر بعقله في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم النافع والعمل الصالح وما عند اليهود والنصارى علم أن بينهما من الفرق أعظم مما بين العرق والدم؛ فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وكتبه وأنبيائه ورسله ومعرفة اليوم الآخر وصفة الجنة والنار والثواب والعقاب والوعد والوعيد أعظم وأجل