الذي يعفى معه عن المخطئ، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31] ، فمن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب كما يلحق الآمر الناهي. ثم قد يكون كل منهما معفوًا عنه فيختلف الذم لفوات شرطه أو وجود مانعه وإن كان المقتضي له قائمًا، ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه أو قصر في طلبه فلم يتبين له أو أعرض عن طلبه لهوى أو كسل ونحو ذلك.
وأيضًا فإن الله عاب على المشركين شيئين: أحدهما: أنهما أشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا. الثاني: تحريمهم ما لم يحرمه الله كما بينه - صلى الله عليه وسلم - في حديث عياض (12) . وقال: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148] ، فجمعوا بين الشرك والتحريم. والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها؛ فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة وإما مستحبة، ثم منهم من عبد غير الله ليتقرب به إلى الله، ومنهم من ابتدع دينًا عبد به الله كما أحدثت النصارى من العبادات، وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين: إما اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم ما لم يحرمه.
ولهذا كان الأصل الذي بنى عليه أحمد وغيره مذاهبهم أن الأعمال عبادات وعادات؛ فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله. والأصل في العادات لا يحظر منها إلا ما حظره الله، وهذه المواسم المحدثة إنما نهي عنها لما أحدث فيها من الدين الذي يتقرب به.
وقصد الشيخ - رحمه الله - من هذه المواسم مواسم الموالد والأعياد البدعية التي أحدثها الخرافيون وأصحاب المطامع الدنيوية فراجت عند العامة والسذج يحسبونها من دين الإسلام وهي من دين الشيطان.
وسئل شيخ الإسلام (13) - رحمه الله - عن رجل قال: إذا كان المسلمون مقلدين، والنصارى مقلدين واليهود مقلدين؛ فكيف وجه الرد على النصارى واليهود وإبطال مذهبهم والحالة هذه؟ وما الدليل القاطع على تحقيق حق المسلمين وإبطال الكافرين؟
فأجاب عن ذلك - رحمه الله - بقوله: الحمد لله. هذا القائل كاذب ضال في هذا القول، وذلك أن التقليد المذموم هو قبول قول الغير بغير حجة، كالذين ذكر الله عنهم أنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [البقرة: 170] ، قال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] ، قال تعالى: {أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات] ، ونظائر هذا في القرآن كثير؛ فمن اتبع دين آبائه وأسلافه لأجل العادة التي تعودها، وترك اتباع الحق الذي يجب اتباعه فهذا هو المقلد المذموم، وهذه حال اليهود والنصارى بل أهل البدع والأهواء في هذه الأمة الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءهم في غير الحق، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب] ، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} إلى قوله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] ؛ فمن أطاع مخلوقًا في معصية الله كان له نصيب من هذا الذم والعقاب، والمطيع للمخلوق في معصية الله ورسوله إما أن يتبع الظن وإما يتبع ما يهواه وكثير يتبعهما. وهذه حال كل من عصى الله ورسوله من المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن أهل البدع والفجور من هذه الأمة؛ كما قال تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} إلى قوله: {وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23] ، والسلطان هو الكتاب المنزل من عند الله، وهو الهدى