قيل: ولا يُعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره، والله -سبحانه وتعالى- كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني) (64) ؛ فهو منزه عن الإرادة التي لا يعقل في الشاهد إلا هي. وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا بدخول صوت في الصماخ وذلك لا يكون إلا في أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن مثل ذلك، بل وكذلك البصر والكلام لا يعقل في الشاهد إلا في محل أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك.
قال ابن مسعود وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وخلق من السلف: {الصَّمَدُ} الذي لا جوف له. وقال آخرون: هو السيد الذي كمل في سؤوده. وكلا القولين حق.
إلى أن قال الشيخ (65) : والمقصود هنا أن هذا الذي فرّ من أن يجعل القديم الواجب موجودًا وموصوفًا بصفات الكمال؛ لئلا يلزم ما ذكره من التشبيه والتجسيم، وجعل نفي هذا اللازم دليلًا على نفي ما جعله ملزومًا له؛ لزمه في آخر الأمر ما فرّ منه.
يواصل الشيخ (66) -رحمه الله- الرد على نفاة نزول الرب -سبحانه وتعالى- -كما صح في الحديث- إلى سماء الدنيا ويفند شبهاتهم فيقول: قول السائل: كيف ينزل؟ بمنزلة قوله:"كيف استوى"؟ وقوله: وكيف يسمع؟ وكيف يبصر؟ وكيف يعلم ويقدر؟ وكيف يخلق ويرزق؟ وقد تقدم الجواب عن مثل هذا السؤال من أئمة الإسلام مثل مالك بن أنس وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ فإنه قد روي من غير وجه: أن سائلًا سأل مالكًا عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه] كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء. ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء. ثم أمر به فأخرج.
ومثل هذا الجواب ثبت عن ربيعة شيخ مالك. وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة -رضي الله عنها- موقوفًا ومرفوعًا، لكن ليس إسناده مما يعتمد عليه. وهكذا سائر الأئمة. قولهم يوافق قول مالك في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب: فنعلم معنى الاستواء ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك ولا نعلم كيفية ذلك.
إلى أن قال -رحمه الله-: وإن كان المعترض من المثبتة للعلو ويقول: إن الله فوق العرش لكن لا يقر بنزوله بل يقول بنزول ملك أو يقول بنزول أمره.
إلى أن قال: فإن قلت: الذي ينزل ملك قيل: هذا باطل من وجوه:
منها: أن الملائكة لا تزال تنزل بالليل والنهار إلى الأرض كما قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2] ، وقال تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] ، وفي"الصحيحين"عن أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يتعاقبون فيكم