فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 400

تأويلات القرامطة الباطنية والجهمية وغيرهم من أهل الإلحاد والبدع، وتلك التأويلات باطلة والله لم يردها بكلامه، وما لم يرده لا نقول: إنه يعلم أنه مراده؛ فإن هذا كذب، على الله -عز وجل- والراسخون في العلم لا يقولون على الله تبارك وتعالى الكذب وإن كنا مع ذلك قد علمنا بطريق خبر الله -عز وجل- عن نفسه، بل وبطريق الاعتبار أن لله المثل الأعلى أن الله يوصف بصفات الكمال موصوف بالحياة والعلم والقدرة، وهذه صفات الكمال، والخالق أحق بها من المخلوق؛ فيمتنع أن يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق.

ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به تفهم وتثبت هذه المعاني لله؛ لم نكن قد عرفنا عن الله شيئًا، ولا صار في قلوبنا إيمان به ولا علم ولا محبة ولا معرفة، ولا إرادة لدعائه وعبادته وسؤاله ومحبته وتعظيمه فإن جميع هذه الأمور لا تكون إلا مع العلم، ولا يمكن العلم إلا بالإثبات لتلك المعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غاب عن شهودنا.

من فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان، وتبين له أن القول في بعض صفات الله كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته، وأن من أثبت صفة دون صفة مما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع مشاركة أحدهما الأخرى فيما به نفاها كان متناقضًا، فمن نفى النزول والاستواء أو الرضى والغضب أو العلم والقدرة أو اسم العليم أو القدير أو اسم الموجود فرارًا بزعمه من تشبيه وتركيب وتجسيم؛ فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبت المثبت، فكل ما يستدل به على نفي النزول والاستواء والرضى والغضب يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي الإرادة والسمع والبصر والقدرة والعلم.

وكل ما يستدل به على نفي القدرة والعلم والسمع والبصر؛ يمكن منازعه أن يستدل بنظيره على نفي العليم والقدير والسميع والبصير، وكل ما يستدل به على نفي هذه الأسماء يمكن منازعه أن يستدل به على نفي الموجود والواجب، ومن المعلوم بالضرورة أنه لا بد من موجود قديم واجب بنفسه يمتنع عليه العدم، فإن الموجود إما ممكن ومحدث وإما واجب وقديم، والممكن المحدث لا يوجد إلا بواجب قديم. فإذا كان ما يستدل به على نفي الصفات الثابتة يستلزم نفي الموجود الواجب القديم، ونفي ذلك يستلزم نفي الموجود مطلقًا؛ علم أن من عطل شيئًا من الصفات الثابتة بمثل هذا الدليل كان قوله مستلزمًا تعطيل الموجود المشهود.

ومثال ذلك أنه إذا قال: النزول والاستواء ونحو ذلك من صفات الأجسام. فإنه لا يعقل النزول والاستواء إلا لجسم مركب والله سبحانه منزه عن هذه اللوازم فيلزم تنزيهه عن الملزوم. أو قال: هذه حادثة والحوادث لا تقوم إلا بجسم مركب. وكذلك إذا قال: الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك هو من صفات الأجسام. فإنه يقال له: وكذلك الإرادة والسمع والبصر والعلم والقدرة من صفات الأجسام؛ فإنا كما لا نعقل ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى إلا جسمًا، لم نعقل ما يسمع ويبصر ويريد ويعلم ويقدر إلا جسمًا. فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا وبصره ليس كبصرنا وإرادته ليست كإرادتنا وكذلك علمه وقدرته. قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا وغضبه ليس كغضبنا وفرحه ليس كفرحنا ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا. فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام ولا يعقل نزول إلا الانتقال. والانتقال يقتضي تفريغ حيز وشغل آخر فلو كان ينزل لم يبق فوق العرش رب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت