فلم يذكروه ولم يعبدوه بها، ويقال لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] ، وقال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر] ؛ أي: عن شكره. والكافر لم يشكر على النعيم الذي أنعم الله عليه به فيعاقبه على ذلك. والله إنما أباحها للؤمنين وأمرهم معها بالشكر كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ} [البقرة: 172] .
إذا (157) فعل المؤمن ما أبيح له قاصدًا للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه؛ فإنه يثاب على ذلك، كما قال النبي (158) -صلى الله عليه وسلم-: (وفي بضع أحدكم له صدقة) . قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر. قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر. فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) . وهذا كقوله في حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) (159) ، رواه أحمد وابن خزيمة في"صحيحه"وغيرهما. فأخبر أن الله تجب إتيان رخصه كما يكره فعل معصيته، وبعض الفقهاء يرويه: (كما يجب أن تؤتى عزائمه) (160) ، وليس هذا لفظ الحديث، وذلك لأن الرخص إنما أباحها الله لحاجة العباد إليها. والمؤمنون يستعينون بها على عبادته فهو يحب الأخذ بها؛ لأن الكريم يحب قبول إحسانه وفضله كما قال في حديث القصر: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (161) ، ولأنه بها تتم عبادته وطاعته وما لا يحتاج إليه الإنسان من قول وعمل، بل يفعله عبثًا فهذا عليه لا له كما في الحديث: (كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكرًا لله) (162) وفي"الصحيحين"عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) (163) ، فأمرالمؤمن بأحد أمرين: إما قول الخير، أو الصمات. ولهذا كان قول الخير خيرًا من السكوت عنه، والسكوت عن الشر خيرًا من قوله. ولهذا قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق] . إلى أن قال -رحمه الله-:
وأيضًا فهو مأمور إما بقول الخير وإما بالصمات، فإذا عدل عما أمر به من الصمات إلى فضول القول الذي ليس بخير كان هذا عليه؛ فإنه يكون مكروهًا، والمكروه ينقصه. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (164) ؛ فإذا خاض فيما يعنيه نقص من حسن إسلامه فكان هذا عليه. إذ ليس من شرط ما هو عليه أن يكون مستحقًا لعذاب جهنم وغضب الله، بل نقص قدره ودرجته عليه. ولهذا قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، فما يعمل أحد إلا عليه أو له. فإن كان مما أمر به كان له وإلا كان عليه ولو أنه ينقص قدره. والنفس طبعها الحركة لا تسكن قط، لكن قد عفا الله عما حدث به المؤمنون أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يعملوا به. فإذا عملوا به دخل في الأمر والنهي.
فإذا كان الله قد كره إلى المؤمنين جميع المعاصي وهو قد حبب إليهم الإيمان الذي يقتضي جميع الطاعات، إذا لم يعارضه ضد باتفاق الناس، وإذا كان قد كره إلى المؤمنين المعارض كان المقتدى للطاعة سالمًا من هذا المعارض وأيضًا فإذا كرهوا جميع السيئات لم يبق إلا حسنات أو مباحات. والمباحات لم تبح إلا لأهل الإيمان الذين يستعينون بها على الطاعات.
وإلا فالله لم يبح قط لأحد شيئًا أن يستعين به على كفر ولا فسوق ولا عصيان. ولهذا لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاصر الخمر ومعتصرها (165) ، كما لعن شاربها، والعاصر يعصر عنبًا يمكن أن ينتفع به في المباح. لكن لما علم أن قصد العاصر أن يجعلها خمرًا لم يكن له أن يعنيه بما جنسه مباح على