الإيمان المفروض عليه ما ينفى عنه الاسم لأجله، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد السالمين من الوعيد.
وكذلك قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور] ، فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان فلا بد أن يكون قد ترك واجبًا أو فعل محرمًا، فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد، بل يكون من أهل الوعيد.
وكذلك قوله تعالى: {اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] .
قال محمد بن نصر المروزي: لما كانت المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر؛ فرق بينها فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع منها فسوق وليس بكفر، ونوع عصيان ليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان وليس فيها شيء خارج عنه لم يفرق بينها، فيقول: حبب إليكم الفرائض وسائر الطاعات؛ بل أجمل ذلك فقال: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} ؛ فدخل في ذلك جميع الطاعات؛ لأنه قد حبب إلى المؤمنين الصلاة والزكاة وسائر الطاعات حبَّ تديُّن؛ لأن الله أخبر أنه حبب إليهم ذلك وزينه في قلوبهم، لقوله: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} ، ويكرهون جميع المعاصي؛ الكفر منها والفسوق وسائر المعاصي كراهة تديُّن؛ لأن الله أخبر أنه كره ذلك إليهم. ومن ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن) (151) ؛ لأن الله حبب إلى المؤمنين الحسنات وكره إليهم السيئات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: قلت: وتكريهه جميع المعاصي إليهم يستلزم حب جميع الطاعات لأن ترك الطاعات معصية، ولأنه لا يرتك المعاصي كلها إن لم يتلبس بضدها فيكون محبًا لضدها وهو الطاعة. إذ القلب لا بد له من إرادة؛ فإذا كان يكره الشر كله فلا بد أن يريد الخير. والمباح بالنية الحسنة يكون خيرًا، وبالنية السيئة يكون شرًا، ولا يكون فعل اختياري إلا بإرادة. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (152) (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) . (وأصدق الأسماء حارث وهمام. وأقبحها حرب ومرة) . (153) ؛ لأن كل إنسان همام حارث؛ والحارث الكاسب العامل، والهمام الكثير الهم، وهو مبدأ الإرادة. وهو حيوان، وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة. فإذا فعل شيئًا من المباحث فلا بد له من غاية ينتهي إليها قصده. وكل مقصود: إما يقصده لنفسه، وإما أن يقصد لغيره. فإن كان منتهى مقصوده ومراده عبادة الله وحده لا شريك له وهو إلهه الذي يعبده لا يعبد شيئًا سواه وهو أحب إليه من كل ما سواه فإن إرادته تنتهي إلى إرادته وجه الله فيثاب على مباحاته التي يقصد الاستعانة بها على الطاعة. كما في"الصحيحين"عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة) (154) وفي"الصحيحين"عنه أنه قال لسعد بن أبي وقاص لما مرض بمكة وعاده: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك) (155) وقال معاذ بن جبل لأبي موسى (156) : (إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) . وفي الأثر: نوم العالم تسبيح، وإذا كان أصل مقصوده عبادة غير الله لم تكن الطيبات مباحة له، فإن الله أباحهما للمؤمنين من عباده، بل الكفار وأهل الجرائم والذنوب وأهل الشهوات يحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها،