تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا [النساء] ، وقوله: {إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ} ، قد أنزل الله الكتاب والحكمة، وهي السنة قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ} [البقرة: 231] ، وقال تعالى: {وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] ، والدعاء إلى ما أُنزل يستلزم الدعاء إلى الرسول، والدعاء إلى الرسول يستلزم إلى ما أنزله الله، وهذا مثل طاعة الله والرسول فإنهما متلازمان؛ فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ومن أطاع الله فقد أطاع الرسول. وكذلك قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] ؛ فإنهما متلازمان، فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، فإن كان يظن أنه متبع سبيل المؤمنين وهو مخطئ، فهو بمنزلة من ظن أنه متبع للرسول وهو مخطئ.
وهذه الآية تدل على أن إجماع المؤمنين حجة من جهة أن مخالفتهم مستلزمة لمخالفة الرسول. وأن كل ما أجمعوا عليه فلا بد أن يكون فيه نص عن الرسول، فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بيّن الله فيه الهدى. ومخالف هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البيِّن. وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيه الهدى من جهة الرسول، ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر، بل قد يكون ظن الإجماع خطأ والصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفَّر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر.
إلى أن قال (145) -رحمه الله-:
كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه لا يكون إلا حقًا موافقًا لما في الكتاب والسنة، لكن المسلمون يتلقون دينهم كله عن الرسول، وأما الرسول فينزل عليه الوحي، وحي القرآن ووحي آخر هو الحكمة كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) (146) ، وقال حسان بن عطية: كان جبريل ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسنة فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن. بخلاف ما يقوله أهل الإجماع فإنه لا بد أن يدل عليه الكتاب والسنة؛ فإن الرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في أمره ونهيه وتحليله وتحريمه.
ومن هذا الباب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) (147) ، وقوله: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) (148) فإن من علم ما قامت به الأنصار من نصر الله ورسوله من أول الأمر، وكان محبًا لله ورسوله أحبهم قطعًا فيكون حبه لهم علامة الإيمان في قلبه، ومن أبغضهم لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه.
وكذلك من لم يكن في قلبه بغض ما يبغضه الله ورسوله من المنكر الذي حرمه الله ورسوله من الكفر والفسوق والعصيان لم يكن في قلبه الإيمان الذي أوجبه الله عليه، فإن لم يكن مبغضًا لشيء من المحرمات أصلًا لم يكن إيمان أصلًا، وكذلك من لا يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه لم يكن معه ما أوجبه الله عليه من الإيمان، فحيث نفى الله الإيمان عن شخص فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد ليس من المستحقين للوعد المطلق.
وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (من غشنا فليس منا) (149) ، و (من حمل علينا السلاح فليس منا) (150) ؛ كله من هذا الباب لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه أو فعل ما حرمه الله ورسوله، فيكون قد ترك من