ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] . واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، ومن جرب مثل تجربتي؛ عرف مثل معرفتي. ا هـ.
ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي. ا هـ.
ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًا عند الموت أصحاب الكلام. ا هـ.
هذه شهادات ساقها الشيخ ـ رحمه الله ـ عن أهل الكلام المسمين بالخلف على أنفسهم بالإفلاس من أعلم، وعدم معرفة الحق؛ لأنهم أعرضوا عن العلم النافع الذي جاء به الكتاب والسنة، واعتمدا على عقولهم وقواعدهم الكلامية المنطقية الجلدية؛ فكيف مع هذا يقال: إنهم أعلم من السلف؟
ولهذا يقول الشيخ منكرًا هذه المقالة الإجرامية: ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف إذ حقق عليهم الأمر لم يجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر. كيف يكون هؤلاء المحجوبون المنقرصون المسبوقون الحيارى المتهوكون أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى مصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا؟ الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق، بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة، ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة - لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته - من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين , وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم، وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والأيمان؟ - انتهى.
وبه تعرف أن لهؤلاء الذين يفضلون طريقة الخلف على طريقة السلف أتباع في عصرنا، ويرون رأيهم ويعتقدون اعتقادهم، ويدافعون عن مذاهبهم، ويحتقرون عقيدة السلف الصالح ويصفونها بالجهل والجمود؛ يظهر هذا في كتاباتهم وتعليقاتهم ومناهجهم، التي يسيرون عليها فيها يزعمون أنه من مناهج الدعوة إلى الله. فما أشبه الليلة بالبارح، ولكل قوم وراث. ولكل ساقطة في الحي لاقطة.
لما قدم الشيخ (2) ـ رحمه الله ـ مقدمة بين فيها المقارنة بين السلف والخلف في العلم والفضل، واستنكر على من عكس الأمر؛ لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره. وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم،