فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 400

وإعراضهم عما بعث الله به محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه وبشهادة الأمة على ذلك وبدلالات كثيرة وليس غرضي واحدًا معينًا، وإنما أصف نوع هؤلاء وهؤلاء.

وإذا كان كذلك فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى وهو فوق كل شيء، وهو على كل شيء، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء، مثل قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ، {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55] {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [الملك: 16] {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الملك 17] ، {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158] .

إلى أن قال الشيخ / وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل (3) والنهار؛ فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم به. وذكر أحاديث وآثار في هذا المعنى، إلى أن قال (4) : إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلى الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية: أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ المبلغ عن الله ألقى على أمته المدعوين؛ أن الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء؛ كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.

ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا. ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أحد من سلف الأمة. لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا. ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجة، ولا أنه لا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا يجوز الإشارة الحسية إليه بالإصبع ونحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما خطب خطبته العظيمة في عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل يقول: (ألا هل بلغت) ؟ فيقولون: نعم! فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول: (اللهم اشهد) (5) غير مرة.

فلئن كان الحق ما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا؛ فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو إما نص وإما ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا، حتى تجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة؛ يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف، أو كل فاضل أن يعتقدها؟

لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير! بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت