فقد بيّن - رحمه الله - أنه قد يكون في ترك الأخذ أيضًا مفاسد، منها التكبر والاستعلاء؛ ومنها الامتناع من الإحسان إليهم فإنه إذا لم يأخذ منهم لم يعطهم ويحسنْ إليهم من باب المقابلة والمكافأة.
قال - رحمه الله: وقد يتركه - أي الأخذ - لمضرة الناس، أو لترك منفعتهم، فهذا مذموم، وقد يكون في الترك أيضًا مضرة نفسه، أو ترك منفعتها، إما بأنه يكون محتاجًا إليه فيضره تركه، أو يكون في أخذه وصرفه منفعة له في الدين والدنيا.
ومما تقدم يتبين لنا: أن الشرك أنواع:
الأول: الشرك الظاهر وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كالذبح والنذر للقبور والاستغاثة بالأموات والغائبين من الجن والشياطين.
الثاني: شرك الطاعة: وهو طاعة العلماء والأمراء في استحلال ما حرم الله أو تحريم ما أحله.
والثالث: شرك الإيمان والقبول: وهو التصديق بالأقوال المنحرفة وقبولها كما قالت الفلاسفة والمخرفين والمنحرفين والمعطلة للأسماء والصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والإعراض عن قبول مقالات الأنبياء واتباعهم.
والنوع الرابع شرك خفي: وهو الرياء والسمعة والعمل لغير الله بل لأجل طمع من مطامع الدنيا. والله المستعان.
هذه المسألة هي الشبهة التي يدلي بها هواة الشرك قديمًا وحديثًا فكان لا بد من كشفها وبيانها؛ سئل - رحمه الله - عمن قال: تجوز الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله تعالى في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله تعالى فيه، وأنه لا فرق بين الاستغاثة والتوسل؛ قال: أتوسل إليك يا إلهي برسولك! أو أستغيث برسولك أن تغفر لي. . .، إلى آخر السؤال الذي يدور على هذا المعنى.
فأجاب - رحمه الله - بقوله (62) : الحمد لله رب العالمين. لم يقل أحد من المسلمين إنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث الله فيه! لا بنبي ولا بملك ولا بصالح ولا غير ذلك، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه، ولم يقل أحد أن التوسل بنبي هو استغاثة به، فإن المستغيث بالنبي - صلى الله عليه وسلم - طالب منه وسائل له والمتوسل به لا يدعي ولا يطلب منه ولا يُسأل وإنما يطلب به. وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر. والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها كقوله تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] . وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله، ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ويستسقون به ويتوسلون به كما في"صحيح البخاري" (63) أن عمر - رضى الله عنه - استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون.