يبيّن الشيخ - رحمه الله - خطأ مقالة من يقول (1) : إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم! فيقول: وتارة يجعلون إخوانهم"يعني علماء الكلام"أحذق وأعلم من السلف، ويقولون: طريقة السلف أسلم وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم، فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق والعرفان. والسلفَ بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل. وغايتهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرِّفض؛ فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسلف كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج، ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم؛ كان تجهيلًا وتضليلًا ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي. وإن لم يكن فسقًا فزعمًا أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة!
ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة أن خيرها القرن الأول ثم الذين يلونهم؛ ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه (2) وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وأضله الله على علم. كما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه. فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم. وقال غيره: عليكم بآثار من سلف. فإنهم جاءوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه.
هذا وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) (3) . فكيف يحدث لنا زمان فيه الخير في أعظم المعلومات وهو معرفة الله تعالى؟ هذا لا يكون أبدًا. وما أحسن ما قال الشافعي - رحمه الله - في"رسالته": هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا. وأيضًا يقال لهم"أي علماء الكلام": كيف تَدَعون طريقة السلف؟ وغاية ما عند السلف أن يكونوا موافقين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان هو ما استفادوه من نبيهم - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي قال الله فيه: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9] .
ثم بيّن الشيخ أن هؤلاء الذين تركوا ما عند السلف من العلم والإيمان قد سلكوا مسلك الملاحدة الذين يقولون: إن الرسول لم يبيّن الحقَّ في باب التوحيد! ولا بيَّن للناس ما هو الأمر عليه في نفسه، بل أظهر