فَاقِرَةٌ [القيامة] ، ثم ذكر الموت فقال: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ} [القيامة] . وهذا إثبات للنفس وأنها تبلغ التراقي كما قال هناك: {بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83] والتراقي متصلة بالحلقوم. ثم قال: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} [القيامة] يَرقيها. وقيل: مَنْ صاعدٌ يصعد بها إلى الله. والأول أظهر لأن هذا قبل الموت؛ فإنه قال: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} [القيامة] ، فدل على أنهم يرجونه ويطلبون له راقيًا يرقيه. وأيضًا فصعودها لا يفتقر إلى طلب من يرقى بها. فإن لله ملائكة يفعلون ما يؤمرون. والرقية أعظم الأدوية؛ فإنها دواء روحاني، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صفة المتوكلين: (لا يسترقون) (46) ، والمراد أنه يخاف الموت ويرجو الحياة بالراقي، ولهذا قال: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} .
ثم قال: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة] ، فدل على نفس موجودة قائمة بنفسها تساق إلى ربها، والعَرَضُ القائم بغيره لا يساق، ولا بدن الميت"يعني لا يساق"فهذا نص في إثبات نفس تفارق البدن، تساق إلى ربها كما نطقت بذلك الأحاديث المستفيضة في فيض روح المؤمن وروح الكافر.
ثم ذكر بعد هذا صفة الكافر بقوله مع هذا الوعيد الذي قدمه: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة] وليس المراد أن كل نفس من هذه النفوس كذلك. وكذلك سورة {ق} هي في ذكر وعيد القيامة ومع هذا قال فيها: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق] ، فذكر القيامتين الصغرى والكبرى. وقوله: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19] ؛ أي: جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب، وهو الحق الذي أخبرت به الرسل. ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت، فإن هذا مشهور لم ينازَع فيه. ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال: جاءت بالحق. وقوله: {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19] ؛ فالإنسان وإن كره الموت فهو يعلم أنه تلاقيه ملائكته. وهذا كقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر] ، واليقين ما بعد الموت. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (أما عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين من ربه) (47) ، وإلا فنفس الموت مجردًا عما بعده أمر مشهور لم ينازع فيه أحد حتى يسمى يقينًا.
وذكر عذاب القيامة والبرزخ معًا في غير موضع؛ ذكره في قصة آل فرعون فقال: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر] ، وقال في قصة قوم نوح: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا} [نوح: 25] ، مع إخبار نوح لهم بالقيامة في قوله: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} [نوح] ، وقال عن المنافقين: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101] قال غير واحد من العلماء: المرة الأولى في الدنيا والثانية في البرزخ ثم يردون إلى عذاب عظيم في الآخرة، وقال تعالى في الأنعام: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 93، 94] ، وهذه صفة حال الموت، وقوله: {أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ} دل على وجود النفس التي تخرج من البدن. وقوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} دل على وقوع الجزاء عقب الموت -"يعني ومنه عذاب القبر".
يواصل الشيخ - رحمه الله - الكلام في إثبات عذاب القبر (48) وبيان حقيقة النفس والروح، فيقول: وقال تعالى في الأنفال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال] ، {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران] ، وهذا ذوق له بعد