فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 400

وقال الأشعري أيضا في كتاب"الإبانة عن أصول الديانة"في باب الاستواء: إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل: نقول له: إن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر] ، وقال: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء] ، وقال حكاية عن فرعون: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر] ؛ كذّب فرعون موسى في قوله: إن الله فوق السماوات. وقال الله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك] ، فالسماوات فوقها العرش، وكل ما علا فهو سماء، وليس إذا قال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى أنه ذكر السماوات فقال: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] ؟ ولم يرد أنه يملأ السماوات جميعًا. ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماوات؛ لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء. والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش والأخلية؛ فلو كان مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء لجاز أن يقال: إن الله مستو على الأشياء كلها وعلى الحشوش والأخلية؛ بطل أن يكون معنى الاستواء على العرش الاستيلاء لا الذي هو عام في الأشياء كلها.

وقد نقل هذا عن الأشعري غير واحد من أئمة أصحابه كابن فورك والحافظ ابن عساكر في كتابه الذي جمعه في:"تبين كذب المفتري فيما ينسب إلى أبي الحسن الأشعري"وذكر اعتقاده الذي ذكره في أول"الإبانة"وقوله فيه: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون. قيل له: قولنا الذي به نقول وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وما روي عن الصحابة والتبابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولما خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح المنهاج به، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين. فرحمة الله عليه من إمام مقدم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين. وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله. وما رواه الثقات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقال أبو بكر الآجري في كتاب"الشريعة": الذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله تعالى على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط بجميع ما خلق في السماوات العُلى وجميع ما في سبع أرضين، يرفع إليه العباد؛ فإن قال قائل: أي شيء معنى قوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] الآية؟ قيل له: علمه والله على عرشه، وعلمه محيط بهم، وكذا فسره أهل العلم. والآية يدل أولها وآخرها أنه العلم وهو على عرشه، هذا قول المسلمين. والقول الذي قاله الشيخ محمد بن أبي زيد: وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه قد تأوله بعض المبطلين؛ بأن رَفَع المجيدَ ومراده: أن الله هو المجيد بذاته. وهذا مع أنه جهل واضح فإنه بمنزلة أن يقال: الرحمن بذاته، والرحيم بذاته والعزيز بذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت