يواصل شيخ الإسلام ابن تيمية (30) - رحمه الله - حديثه عن علماء الكلام وقلة بضاعتهم من العلم النافع وخبرتهم فيقول:
وقد قيل: إن الأشعري - مع أنه من أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم بذلك - صنف في آخر عمره كتابًا في تكافؤ الأدلة - يعني أدلة علم الكلام - فإن ذلك هو صناعته التي يحسن الكلام فيها، وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدى في طريقهم؛ كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره، حتى قال أبو حامد الغزالي: أكثر الناس شكًا عند الموت أهل الكلام، وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب - باب الحيرة والشك والاضطراب -، لكن هو مسرف في هذا الباب بحيث له نهمة في التشكيك دون التحقيق بخلاف غيره؛ فإنه يحقق شيئًا ويثبت على نوع من الحق. لكن بعض الناس قد لا يثبت على باطل محض بل لا بد فيه من نوع من الحق. وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام ابن واصل الحموي، كان يقول: أستلقي على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء، واعتراض هؤلاء وهؤلاء، حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء ولهذا أنشد الخطابي:
حجج تهافت كالزجاج تخالها * * حقًا وكل كاسر مكسور
فإذا كانت هذه حال حججهم؛ فأي لغو وباطل وحشو يكون أعظم من هذا؟ وكيف يليق بمثل هؤلاء أن ينسبوا إلى الحشو أهل الحديث والسنة الذين هم أعظم الناس علمًا ويقينًا وطمأنينة وسكينة؟ وهم الذين يعلمون، ويعلمون أنهم يعلمون، وهم بالحق يوقنون لا يشكون ولا يمترون. فأما ما أوتيه علماء أهل الحديث وخواصهم من اليقين والمعرفة والهدى؛ فأمر يجل عن الوصف، ولكن عند عوامهم من اليقين والعلم النافع ما لم يحصل منه شيء لأئمة المتفلسفة المتكلمين، وهذا ظاهر مشهود لكل أحد.
ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - أسباب الهدى والعلم النافع، وأسباب الضلال والجهل. فقال (31) : ولكن لا بد أن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركتها هم الملائكة أو الشياطين؛ فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقي التكذيب بالحق والأمر بالشر، والتصديق والتكذيب مقرونان بنظر الإنسان، كما أن الأمر والنهي مقرونان بإرادته. فإذا كان النظر في دليل هادٍ كالقرآن وسلم من معارضات الشيطان تضمن ذلك النظر والعلم والهدى، ولهذا أُمِر العبدُ بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند القراءة. وإذا كان النظر في دليل مضل والناظر يعتقد صحته بأن تكون مقدمتاه أو إحداهما متضمنة للباطل، أو تكون المقدمات صحيحة لكن التأليف ليس بمستقيم فإنه يصير في القلب بذلك اعتقاد فاسد، وهو غالب شبهات أهل الباطل المخالفين للكتاب والسنة من المتفلسفة والمتكلمين ونحوهم، وأما النظر المفيد للعلم فهو ما كان في دليل هاد. والدليل الهادي على العموم والإطلاق هو كتاب الله وسنة نبيه؛ فإن الذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر هو ما يفيد وينفع ويُحصِّل الهدى وهو بذكر الله وما نزل من الحق، فإذا أراد النظر والاعتبار في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب فذلك النظر في كتاب الله وتدبره؛ كما قال تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة] ، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ