فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 400

والجماعة بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم- من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل.

وهم - أي أهل السنة والجماعة-، في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدرة الله الذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه لكل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل؛ فيعطلون الأمر والنهي والثواب والعقاب، فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} [الأنعام: 148] . فيؤمن أهل السنة بأن الله على كل شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ مراده، وأنه خالق كل شيء من الأعيان والصفات والحركات. ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وأنه مختار ولا يسمونه مجبورًا. إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره. والله سبحانه جل العبد مختارًا لما يفعله فهو مختار مريد. والله خالقه وخالق اختياره وهذا ليس له نظير. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وهم - أي أهل السنة والجماعة- في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم-. وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية؛ فيؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي يستوجبون به الجنة. وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم- ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته.

وهم - أهل السنة والجماعة- في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ورضي عنهم وسط بين الغالية الذين يغالون في علي - رضي الله عنه- فيفضلونه على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما- ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة ظلموا وفسقوا وكفّروا الأمة بعدهم كذلك وربما جعلوه نبيًا وإلهًا، وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان - رضي الله عنهما-، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب عثمان وعلي ونحوهما، ويقدحون في خلافة علي - رضي الله عنه- وإمامته.

وكذلك في سائر أبواب السنة هم - أي أهل السنة والجماعة- وسط لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم-، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

هكذا بيّن الإسلام وسطية أمة محمد - صلى الله عليه وسلم- بين الأمم؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143] ؛ أي: عدولًا خيارًا. وما عدا الوسط فأطراف داخلة تحت الحظر فجعل الله هذه الأمة وسطًا في كل أمور الدين بين جفاء اليهود وغلو النصارى. وكذلك فرقة أهل السنة والجماعة وسط في فرق الأمة المحمدية؛ لأنها تمسكت بما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من الاعتقاد والعبادة والأخلاق، بخلاف بقية الفرق التي انحرفت عن منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه انحرافًا كثيرًا أو قليلًا بحسب مناهجهم واعتقاداتهم. جعلنا الله من الأمة الوسط والفرقة الوسط حتى ننجو ونسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت