فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 400

إذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلال وكفر وجد القرآن والسنة كاشفان لأحوالهم مبينان لحقهم مميزان بين حق ذلك وباطله. والصحابة كانوا أعلم الخلق بذلك، كما كانوا أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين. كما قال عبد الله بن مسعود: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم. وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين، كما يقال: من العجائب فقيه صوفي وعالم زاهد. ونحو ذلك، فإن أهل بر القلوب وحسن الإرادة وصلاح المقاصد يحمدون على سلامة قلوبهم من الإرادات المذمومة ويقترن بهم كثيرًا عدم المعرفة وإدراك حقائق أحوال الخلق التي توجب الذم للشر والنهي عنه والجهاد في سبيل الله. وأهل التعمق في العلوم قد يدركون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في أنواع الغيِّ والضلالات. وأصحاب محمد كانوا أبر الخلق قلوبًا وأعمقهم علمًا.

ثم إن أكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن بتعمقهم التكلف المذموم من المتكلمين والمتعبدين وهو القول والعمل بلا علم وطلب ما لا يدرك، وأصحاب محمد كانوا مع أنهم أكمل الناس علمًا نافعًا وعملًا صالحًا أقل الناس تكلفًا، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي الله به أمة، وهذا من منن الله على هذه الأمة. وتجد غيرهم يحشون الأوراق من التكلفات والشطحات ما هو من أعظم الفضول المبتدعة والآراء المخترعة لم يكن لهم في ذلك سلف إلا رعونات النفوس المتلقاة ممن ساء قصده في الدين.

ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: إني سأخلق أمة أفضِّلها على كل أمة وليس لها علم ولا حلم، فقال المسيح: أي رب! كيف تفضلهم على جميع الأمم وليس لهم علم ولا حلم؟ قال: أهبهم من علمي وحلمي (7) . وهذا من خواص متابعة الرسول فأيهم كان له أتبع كان في ذلك أكمل. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد] .

قال الشيخ (8) - رحمه الله - في بيان فضل أهل الحديث وامتيازهم على غيرهم: إن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه، فلهم من فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم، كما قال بعض السلف: أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل، فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان أو اليد والسنان، فمن زعم بلسان حاله أو مقاله أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر، والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل؛ دون أهل الحديث فهو إن كان من المؤمنين بالرسل فهو جاهل وفيه شعبة قوية من شعب النفاق. وإلا فهو منافق خالص، من الذين إذا {قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة] ، وقد يكون من الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت