فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 400

ومن الذين {يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى] .

وقد يُبيّن ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه، وإن كان ذلك ظاهرًا بالفطرة لكل سليم الفطرة؛ فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم بالحقائق وأقومهم قولًا وحالًا؛ لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك، وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق، ولا يقال: هذه الفطرة يغيرها ما يوجد في المنتسبين إلى السنة والحديث من تفريط وعدوان؛ لأنه يقال: إن ذلك في غيرهم أكثر. والواجب مقابلة الجملة بالجملة في المحمود والمذموم، هذه هي المقابلة العادلة، وإنما غيَّر الفطرة قلة المعرفة بالحديث والسنة واتباع ذلك مع ما يوجد في المخالفين لها من نوع تحقيق لبعض العلم وإحسان لبعض العمل فيكون ذلك شبهة في قبول غيره وترجيح صاحبه.

ولا غرض لنا في ذكر الأشخاص وإنما المقصود ذكر نفس الطريقة العلمية والعملية التي تُعرِّف بحقائق الأمور الخبرية النظرية؛ فمتى كان غير الرسول قادرًا على علم بذلك أو بيان له أو محبة لإفادة ذلك فالرسول أعلم بذلك وأحرص على الهدى وأقدر على بيانه منه، وكذلك أصحابه من بعده وأتباعهم، وهذه صفات الكمال والعلم والإرادة والإحسان والقدرة عليه؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الاستخارة: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم. فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب. .) ؛ (9) فعلمنا - صلى الله عليه وسلم - أن نستخير الله بعلمه فيعلمنا من علمه ما نعلم به الخير، ونستقدره بقدرته فيجعلنا قادرين، إذ الاستفعال هو طلب الفعل كما قال في الحديث الصحيح (10) : (يقول الله تعالى: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) . فاستهداء الله طلب أن يهدينا واستطعامه طلب أن يطعمنا. هذا قوت القلوب، وهذا من قوت الأجسام. وكذلك استخارته بعلمه واستقداره بقدرته. ثم قال: (وأسألك من فضلك العظيم) . فهذا السؤال من جوده ومنِّه وعطائه وإحسانه الذي يكون بمشيئته ورحمته وحنانه. ولهذا قال: (فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم) . فإذا كان الرسول أعلم الخلق بالحقائق الخبرية والطلبية وأحب الخلق للتعليم والهداية والإفادة، وأقدر الخلق على البيان والعبارة امتنع أن يكون من هو دونه أفاد خواصَّه معرفة الحقائق أعظم مما أفاده الرسول لخواصه. فامتنع أن يكون عند علماء الطوائف من معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث؛ فيكون الذام لهم جاهلًا ظالمًا فيه شعبة نفاق إذا كان مؤمنًا. انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -.

وهذا الذي ذكره من تنقص علماء سلف الأمة في وقته هو نفس ما يردده اليوم وينعق به من ينتسبون إلى بعض الجماعات المعاصرة من تنقيص قدر علماء الأمة، ووصفهم بالسطحية والجهل بهموم الدعوة وفقه الواقع والاشتغال بمسائل الفقه ويسمونهم: علماء الحيض والنفاس، أو علماء الجزئيات، إلى غير ذلك من الألقاب، التي يقصدون بها التنفير عن كل من لم يوافقهم على شذوذاتهم وشطحاتهم وأفكارهم الغريبة المريبة. فما أشبه الليلة بالبارحة، ولكل قوم وارث. ولكن الحق سيبقى والباطل سيزول: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد: 17] ، ولكن الذي نخشاه أن يؤثر هؤلاء الناعقون في شباب المسلمين فيصرفوهم عن علمائهم ويلقنوهم هذه الأفكار الغريبة.

فالواجب على المسلمين أن يتنبهوا لهؤلاء ويحصنوا شبابهم بالعلم النافع ومعرفة قدر سلف هذه الأمة؛ كما قال الإمام مالك - رحمه الله: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. والله تعالى يقول: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة] ، ويقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت