وأبو بكر الصديق ورث الجدة بحديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة. ونظائر هذا كثيرة. ثم ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ حكاية حصلت لمن طعن في أبي هريرة بأن وقعت عليه حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة التي هو فيها فضربته فقتلته من بين الجلوس.
قال: ونظير هذا ما ذكره الطبراني من زكريا بن يحيي الساجي قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعنا شاب ماجن فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها قال: فما زال حتى جفته رجاله. انتهى كلام الشيخ.
وأقول: ليحذر بعض الجهال من كتاب العصر الذين يتجرءون على الطعن في الأحاديث التي تخالف أهواءهم وعقولهم، ويطعنون في أبي هريرة رضي الله عنه ـ بالذات ـ أن يصيبهم الله بعقاب من عهده.
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ تعالى (112) : ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات؛ مثل قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59] ، وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] ، إلى غيره ذلك من آيات الصفات وأحاديث الصفات؟ كقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن) (113) وقوله: (يضع الجبار قدمه في النار) (114) إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه؟
فأجاب ـ رضي الله عنه ـ بقوله: الحمد لله رب العالمين. قولنا فيها ما قاله أئمة الهدى الذي أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره؛ فإن الله عز وجل بعث محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. . وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} فمن المحال أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته. محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسًا مشبهًا! ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه أي: ما يجب أن ينزه عنه؛ فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وحصلته النفوس وأدركته العقول. فكيف يكون ذلك الكتاب وذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا؟
ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد علم أمته كل شيء حتى الخراءة (115) يعني آداب قضاء الحاجة، وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (116) وقال فيما صح عنه أيضًا: (ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم) (117) ، وقال أبو ذر: (لقد توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منع علمًا) (118) ، وقال عمر بن الخطاب: قام فينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقامًا فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه. ورواه البخاري (119) . ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين أن يترك تعليمهم ما يقولونه