فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 400

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * * سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف، وكان يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة أمي. أو قال: عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني أخبرَ أنه لم يجد عند المتكلمين والفلاسفة إلا الحيرة والندم وكان ينشد:

لعمري لقد طفت المعاهد كلها * * وسيرت طرفي بين تلك العوالم

فلم أر إلا واضعًا كف حائر * * على ذقن أو قارعًا سن نادم

وأقول: إن هذه الشهادات من جهابذة علماء الكلام بصحة مذهب السلف الذي هو الاعتماد على أدلة الكتاب والسنة وترك مناهج الجدل والمنطق.

لما ذكر الشيخ - رحمه الله - تذبذب علماء الكلام وعدم ثباتهم في مواقفهم وانتهاء أمرهم إلى الحيرة؛ لأنهم لم يبنوا مقالاتهم على أصول ثابتة من الكتاب والسنة؛ ذكر مواقف أهل الإيمان وثباتهم، وأن ذلك بسبب صحة الأصول التي بنوا عليها مقالاتهم.

قال (6) - رحمه الله: ولقد كان من أصول الإيمان أن يثبِّت الله العبد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم] ، والكلمة أصل العقيدة؛ فإن الاعتقاد هو الكلمة التي يعتقدها المرء، وأطيب الكلام والعقائد كلمة التوحيد واعتقاد أن لا إله إلا الله، وأخبث الكلام والعقائد كلمة الشرك هو اتخاذ إله مع الله؛ فإن ذلك باطل لا حقيقة له، ولهذا قال سبحانه: {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] ، ولهذا كان كلما بحث الباحث وعمل العامل على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالًا وبعدًا عن الحق وعلمًا ببطلانها، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور] ، فذكر سبحانه مثلين:

أحدهما: مثل الكفر والجهل المركب الذي يحسبه صاحبه موجودًا، وفي الواقع يكون خيالًا معدومًا كالسراب، وأن القلب عطشان إلى الحق كعطش الجسد إلى الماء، فإذا طلب ما ظنه ماء وجده سرابًا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، وهكذا تجد عامة هؤلاء الخارجين عن السنة والجماعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت