فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 400

والمثل الثاني: مثل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبين فيه صاحبه حقًا ولا يرى فيه هدى. والكفر المركب مستلزم للكفر البسيط، وكل كفر لا بد فيه من جهل مركب. فضرب الله سبحانه المثلين بذلك ليبين حال الاعتقاد الفاسد، ويبين حال عدم معرفة الحق، وهو يشبه حال المغضوب عليهم والضالين؛ حال المصمم على الباطل حتى يحل به العذاب، وحال الضال الذي لا يرى طريق الهدى. فنسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وأن يرزقنا الاعتصام بالكتاب والسنة.

ثم فصّل الشيخ - رحمه الله - في حقيقة ما ينسب إلى بعض المشائخ من الشطحات فقال: ومن أمثلة ما ينسبه كثير من أتباع المشائخ والصوفية إلى المشائخ الصادقين؛ من الكذب والمحال، أو يكون من كلامهم المتشابه الذي تأولوه على غير تأويله، أو يكون من غلطات بعض الشيوخ وزلاتهم، أو من ذنوب بعضهم وخطئهم، مثل كثير من البدع والفجور الذي يفعله بعضهم بتأويل سائغ أو بوجه غير سائغ فيعفى عنه أو يتوب منه، أو يكون له حسنات يغفر له بها أو مصائب يكفر عنه بها، أو يكون من كلام المتشبهين بأولياء الله من ذوي الزهادات والعبادات والمقامات وليس هو من أولياء الله المتقين، بل من الجاهلين الظالمين المعتدين أو المنافقين أو الكافرين.

وهذا كثير ملأ العالم، تجد كل قوم يدعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدعي المرسلون، وأن ذلك عند خواصهم، وأن ذلك لا ينبغي أن يقابل إلا بالتسليم، ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعة وتفسيرات باطلة، مثل قولهم عن عمر: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتحدث هو وأبو بكر بحديث وكنت كالزنجي بينهما (7) . فيجعلون عمر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدّيقه كالزنجي وهو حاضر يسمع الكلام، ثم يدعي أحدهم أنه علم ذلك بما قذف في قلبه. ويدعي كل منهم أن ذلك هو ما يقوله من الزور والباطل. فمنهم من يجعل للشيخ قصائد يسميها: جنيب القرآن، ويكون وَجْده بها وفرحة بمضمونها أعظم من القرآن، ويكون فيها من الكذب والضلال أمور، ومنهم من يجعل له قصائد في الاتحاد وأنه خالق جميع الخلق، وأنه خلق السماوات والأرض وأنه يُسجد له ويُعبد، ومنهم من يصف ربه في قصائده بما نُقل في الموضوعات من أصناف التمثيل والتكييف والتجسيم التي هي كذب مفترى وكفر صريح، مثل مواكلته ومشاربته ومماشاته ومعانقته ونزوله إلى الأرض وقعوده في بعض رياض الأرض ونحو ذلك. ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة التي تكون لخواص أولياء الله المتقين.

ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم، من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدعون أخذها عن أهل البيت، إما من العلوم الدينية، وإما من علم الحوادث الكائنة ما هو عندهم من أجل الأمور التي يجب التواصي بكتمانها، والإيمان بما لا يُعلم حقيقتُه من ذلك، وجميعها كذب مختلق وإفك مفترى.

وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وصاروا يدعون أنه خص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك، ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطب الناس وينفي ذلك عن نفسه. وقد خرّج أصحاب الصحيح كلام على هذا من غير وجه، مثل ما في الصحيح (8) عن أبي جحيفة قال سألت عليًا: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة! ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطيه الله الرجل في كتابه، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. ولفظ البخاري: هل عندكم شيء من الوحي غير ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن. وفي"الصحيحين"عن إبراهيم التيمي عن أبيه - وهذا من أصح إسناد على وجه الأرض - عن علي (9) قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت