ثم ذكر الشيخ - رحمه الله - أحاديث من هذا الباب ثم قال: فإذا كانت الشياطين تأتي الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لتؤذيهم وتفسد عبادتهم فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد؛ فكيف بمن هو دون الأنبياء؟ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قمع شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم والأعمال ومن أعظمها الجهاد والصلاة؛ فمن كان متبعًا للأنبياء نصره الله سبحانه بما نصر به الأنبياء. وأما من ابتدع دينًا لم يشرعوه فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له، واتباع نبيه فيما شرعه لأمته، وابتدع الغلو في الأنبياء والصالحين والشرك بهم؛ فإن هذا تتلاعب به الشياطين كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل] .
ما زلنا معه في كلامه على زيارة القبور، وما طرأ عليها من تغيير شنيع عن الوجه المشروع على أيدي المخرفين والمنحرفين، الذين يزعمون أن الموتى يكلمونهم، ويخرجون من قبورهم لاستقبال زائريهم، والحقيقة أن الشياطين تتمثل لهم في صور الموتى، وتخاطبهم ليضلوهم عن سبيل الله.
قال - رحمه الله - (55) في هذا الصدد: وهذا كما أن كثيرًا من العُبَّاد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشًا عظيمًا وعليه صورة عظيمة، ويرى أشخاصًا تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن أن تلك الصورة هي الله - تعالى وتقدس - ويكون ذلك شيطانًا. وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان، كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة حيث قال: كنت مرة في العبادة فرأيت عرشًا عظيمًا عليه نور. فقال لي: يا عبد القادر أنا ربك، وقد حللت لك ما حرمت على غيرك! قال: فقلت له: أنت الله الذي لا إله إلا هو؟! اخسأ يا عدو الله. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة. وقال: يا عبد القادر نجوت مني بفقهك وعلمك، لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلًا. فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي: حللت لك ما حرمت على غيرك، وقد علمت أن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا تنسخ ولا تبدل. ولأنه قال: أنا ربك ولم يقدر أن يقول: أنا الله الذي لا إله إلا أنا.
قال الشيخ: ومن هؤلاء من اعتقد أن المرئي هو الله، وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون الله تعالى في اليقظة، ومستندهم ما شاهدوه وهم صادقون فيما يخبرون به ولكن لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان، وهذا قد وقع كثيرًا لطوائف من جهال العبَّاد يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه في الدنيا؛ لأن كثيرًا منهم رأى ما ظن أنه الله وإنما هو شيطان. وكثير منهم رأى من ظن أنه نبي أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطانًا. وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من رآني في المنام فقد رآني حقًا؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي) (56) ، فهذا في رؤية المنام؛ لأن الرؤية في المنام تكون حقًا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به في المنام، وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا.
وأقول: ما ذكره الشيخ - رحمه الله - من أن رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المنام تكون حقًا مقيد بمن يعرف صورة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحقيقية، أما من لا يعرفها حقيقة فقد يكذب عليه الشيطان ويدعي أنه الرسول فيصدقه الرائي؛ لأنه لا يعرف صورة الرسول الحقيقية التي لا يتمثل بها الشيطان.
قال الشيخ - رحمه الله: ومنهم من يظن من يتمثل له من الشيطان أنه ملك من الملائكة، والملك يتميز عن الجني بأمور كثيرة. والجن فيهم الكفار والفساق والجهال، وفيهم المؤمنون المتبعون لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فكثير ممن لا يعرف أن هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة. والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من