فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 400

القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) (50) ، فإذا كان محرمًا وهو سبب لسخط الرب ولعنته؛ فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه، واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات؟ وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس، قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم (51)

وقد استفاض عن ابن عباس وغيره في"صحيح البخاري" (52) ، وفي كتب التفسير وقصص الأنبياء في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] : أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم. قال ابن عباس: ثم صارت هذه الأوثان في قبائل العرب.

إلى أن قال - رحمه الله: ولا ريب أن الأوثان يحصل عندها من الشياطين وخطابهم وتصرفهم ما هو من أسباب ضلال بني آدم، وجعل القبور أوثانًا هو أول الشرك، ولهذا يحصل عند القبور لبعض الناس من خطاب يسمعه، وشخص يراه، وتصرف عجيب؛ ما يظن أنه من الميت وقد يكون من الجن والشياطين، مثل أن يرى القبر قد انشق وخرج منه الميت وكلمه وعانقه. وهذا يرى عند قبور الأنبياء وغيرهم وإنما هو شيطان؛ فإن الشيطان يتصور بصور الإنس ويدَّعي أحدهم أنه النبي فلان أو الشيخ فلان ويكون كاذبًا في ذلك، والجاهل يظن أن الذي خرج من القبر وعانقه أو كلمه هو المقبور أو النبي أو الصالح أو غيرهما.

والمؤمن يعلم أنه شيطان، ويتبين ذلك بأمور:

أحدها: أن يقرأ آية الكرسي بصدق، فإذا قرأها تغيب ذلك الشخص أو ساخ في الأرض أو احتجب، ولو كان رجلًا صالحًا أو ملكًا أو جنيًا مؤمنًا؛ لم تضره آية الكرسي وإنما تضر الشياطين. كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة لما قال له الجني: اقرأ آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك؛ فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (صدقك وهو كذوب) (53)

ومنها: أن يستعيذ بالله من الشياطين.

ومنها: أن يستعيذ بالعوذ الشرعية؛ فإن الشياطين كانت تعرض للأنبياء في حياتهم وتريد أن تؤذيهم وتفسد عبادتهم، كما جاءت الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعلة من النار تريد أن تحرقه فأتاه جبريل بالعُوذة المعروفة التى تضمنها الحديث المروي عن أبي التياح أنه سأل رجلٌ عبدَ الرحمن بن خنبش وكان شيخًا كبيرًا قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم: كيف صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كادته الشياطين؟ قال: تحدرت عليه من الشعاب والأودية وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فرُعب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد! قل! قال: (ما أقول؟) قال: (قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما يخرج من الأرض ومن شر ما ينزل فيها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن) قال: فطفئت نارهم وهزمهم الله - عز وجل - (54)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت