من المفسدة الراجحة وهي التشبه بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك، وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات مصلحة راجحة لإمكان التطوع في غيرها من الأوقات.
ويقصد - رحمه الله - بالأوقات الثلاثة (44) ما بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس وعند قيام الشمس في كبد السماء حتى تزول وما بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
قال الشيخ - رحمه الله: فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها؛ كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب، الذين يدعونها ويسألونها؛ كان معلومًا أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه، أعظم تحريمًا من الصلاة التي نهي عنها؛ لئلا يفضي إلى دعاء الكواكب.
كذلك لما نهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنُهي عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم؛ كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريمًا من اتخاذ قبورهم مساجد، ولذلك كانت زيارة قبور المسلمين على وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية يكون مقصود الزائر الدعاء للميت كما يقصد بالصلاة على جنازته الدعاء له، فالقيام على قبره من جنس الصلاة عليه، قال الله تعالى في المنافقين: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ} [التوبة: 84] ، فنهى نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون، فلما نُهي عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهي الكفر دل ذلك على انتفاء هذه العلة، ودل تخصيصهم بالنهي على أن غيرهم يصلّى عليه ويقام على قبره؛ إذ لو كان هذا غير مشروع في حق أحد لم يخصوا بالنهي ولم يُعلل ذلك بكفرهم. ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلّي على موتى المسلمين وشرع لأمته ذلك. وكان إذا دفن الرجل من أمته يقوم على قبره ويقول: (سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) (45) رواه أبو داود وغيره. وكان - صلى الله عليه وسلم - يزور قبور أهل البقيع والشهداء بأحد ويعلم أصحابه إذا زاروا القبور ماذا يقولون من السلام على الأموات والدعاء لهم، هذه هي الزيارة الشرعية.
قال (46) - رحمه الله: تجوز زيارة قبور الكفار كما ثبت في"صحيح مسلم"وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أنه قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فاستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة) (47) ، فهذه الزيارة التي يقصد بها الدعاء للميت فتلك لا تشرع إلا في حق المؤمنين، وأما الزيارة البدعية فهي التي يقصد بها أن يطلب من الميت الحوائج أو يطلب منه الدعاء والشفاعة أو يقصد الدعاء عند قبره لظن القاصد أن ذلك أجوب للدعاء؛ فالزيارة على هذه الوجوه كلها مبتدعة لم يشرعها النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعلها الصحابة لا عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عند غيره، وهي من جنس الشرك وأسباب الشرك.
ولو قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم، مثل أن يتخذ قبورهم مساجد، لكان ذلك محرمًا منهيًا عنه ولكان صاحبه متعرضًا لغضب الله ولعنته؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (48) ، وقال: (قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (49) ؛ يحذر ما صنعوا. وقال: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون