وقد قال تعالى عن إبليس: إنه عصى، ولم يقل: إنه كذب. وقد قال تعالى عن الجن: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} إلى قوله: {وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} [الأحقاف: 30 - 32] الآية، فأمروا بإجابة داعي الله الذي هو الرسول. والإجابة والاستجابة هي طاعة الأمر والنهي، وهي العبادة التي خلق لها الثقلان كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات] ، ومن قال: إن العبادة هي المعرفة الفطرية الموجودة فيها، وأن ذلك هو الإيمان وهو داخل في الثقلين فقط؛ فإن ذلك لو كان كذلك لم يكن في الثقلين كافر. والله أخبر بكفر إبليس وغيره من الجن والإنس، وقد قال تعالى: {لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119] ، وأخبر أنه يملؤها منه ومن أتباعه، وهذا بيّن أنه لا يدخلها إلا من اتبعه، فعلم أن من يدخلها من الكفار والفساق من أتباع إبليس، ومعلوم أن الكفار ليسوا بمؤمنين ولا عارفين الله معرفة يكونون بها مؤمنين.
إلى أن قال: وأيضًا فقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} إلى قوله: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130] ، فبين أن الثقلين جميعًا تلت عليهم الرسل آيات الله. والدلائل الدالة على هذا الأصل وما في الحديث والآثار من كون الجن يحجون ويصلون ويجاهدون، وأنهم يعاقبون على الذنب؛ كثيرة جدًا. وقد قال تعالى فيما أخبر عنهم: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن] ، قالوا: مذاهب شتى؛ مسلمين ويهود ونصارى وشيعة وسنة. فأخبر أن منهم الصالحون ومنهم دون الصالحين، فيكون إما مطيعًا في ذلك فيكون مؤمنًا، وإما عاصيًا في ذلك فيكون كافرًا ولا ينقسم مؤمن إلى صالح وغير صالح. فإن غير الصالح لا يعتقد صلاحه لترك الطاعات، فالصالح هو القائم بما وجب عليه، ودون الصالح لا بد أن يكون عاصيًا في بعض ما أمر به، وهو قسم غير الكافر. فإن الكافر لا يوصف بمثل ذلك، وهذا يبين أن فيهم من يترك بعض الواجبات. انتهى ما أورده الشيخ في هذا المعنى.
وفي زماننا هذا من ينكر وجود الجن اعتمادًا على عقله الكاسد ونظره القاصر، ولأنه لا يؤمن بالغيب، ولا شك أن إنكار وجود الجن كفر وردة عن الإسلام لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، حيث جاء ذكر الجن في كتاب الله وسنة رسول الله، وأجمع العلماء على وجودهم، ومن الكتَّاب المعاصرين من يقر بوجود الجن ولكنه ينكر صرعهم للإنسي ودخولهم فيه، وهذا ضلال وخطأ واضح لأنه قد ثبت بالأدلة وبالواقع المشاهد صرعهم للإنس، والواجب على المسلم أن يسلم لما صحت به النصوص، ولا يعتمد على عقله وظنه فينكر شيئًا ثابتًا وواقعًا مشاهدًا. والله ولي التوفيق.
فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (6) - رحمه الله - عن الجمع بين حديث (7) ابن مسعود في أمر النطفة وتطورها: أربعين يومًا نطفة، وأربعين يومًا علقة، وأربعين يومًا مضغة، ثم يكون التصوير والتخطيط والتشكيل. وحديث: أنه إذا مر للنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله الملك فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها؛ فما الجمع بين الحديثين؟
فأجاب ما ملخصُه: الحمد لله رب العالمين. أما الحديث الأول فهو في"الصحيحين" (8) عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة. ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات؛ بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم